أتمنى من وزاراتنا وهيئاتنا ومؤسساتنا الحكومية العزيزة والموقرة، أن تتبنى معاييرها ومؤشراتها وأرقامها العامة مناهج إحصائية محايدة، وأن لا تخلط في تقاريرها بين الجوانب المهنية، ومتطلبات العلاقات العامة والنشر، أو احتياجات الترقي وتسويق الذات ولفت الأنظار، وذلك من خلال إسباغ صورة بانورامية مسبقة على بعض القطاعات، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها غير حقيقية، لتحسين صورة مخرجاتها النهائية بأي طريقة كانت، وكان يمكن لمثل هذه التقارير أن تكون مقبولة لو كانت تقارير وصفية أو إنشائية، لكن الإشكالية عندما تكون مهنية تعكس صورة القطاع أمام الرأي العام وصانع القرار، وتعتمد أرقاما ومعدلات ومعايير متعارفا عليها، كالناتج المحلي أو البطالة أو مستوى المعيشة أو تتناول جوانب تعليمية وصحية واجتماعية وإسكانية على درجة عالية من الأهمية.

ورغم أننا نعاني أصلا من شح وندرة هذه المؤشرات، ومدى كراهيتها في أدبيات هذه الإدارات، لأنها تكشف المستور لأنماط إدارية مازالت تعتمد على الشكليات والعموميات والتداخل المتعمد في السلطات والنتائج، في سبيل خلط الأوراق وضياع الحقيقة والمسؤولية، وتتبع أسلوب «الهيلمة» الإدارية والإعلامية في تسويق أدائها ومخرجاتها، فإن المعاناة نفسها تنسحب على المؤشرات والمعدلات الموجودة والمحجوبة أصلا، كونها تقل عن نظيراتها العالمية، والتي تعاني البلاد جراءها من فروقات مع مثيلاتها في بقية دول العالم دون سبب منطقي، والتي ما فتئت بعض هذه الأجهزة تعمل على تضخيمها والنفخ في نتائجها في الداخل، في وقت يفترض أن تكون قد حققت نضجا إداريا وماليا يكفي لتتماهى مع خطط ومتطلبات رؤية 2030 التي تقوم على البيانات الدقيقة والمتوسطات الصحيحة.

ولذلك فإن نسبة لا يستهان بها من هذه التقارير والمناهج التقليدية، المتبعة في إصدار التقارير وأدواتها في القياس والإحصاء، تحمل في طياتها لغطا كبيرا من قبل المختصين، وتنطوي على جدل واسع، سواء في إصدار البيانات الخام أو المؤشرات المقارنة، وسوف أستعرض يوم غد نموذجا واحدا فقط، كمثال حي حول هذا الموضوع.