بينما تعزف الأوركسترا اليابانية على مسرح مركز الملك فهد الثقافي بالرياض تشهد العاصمة في الوقت ذاته الكثير من الفعاليات المتنوعة التي تغطي مختلف الاهتمامات لكنها لا تثير جدلا كالذي تثيره الفعاليات الفنية. هذا أمر طبيعي في الغالب ولا يمكن تغييره إلا بالمزيد والمزيد من تلك الفعاليات والأنشطة وبذات التنوع أيضا.

إنما لماذا قد تجد سعوديا لا يمل من حضور الفعاليات الفنية في دبي والبحرين والقاهرة لكنه يتحفظ على إقامتها في الرياض أو جدة؟ هذا أمر طبيعي أيضا فالفرد في الغالب لديه سلوك حر إنما ليس لديه تفكير حر مماثل، إضافة إلى أن شعورا وهميا بالمسؤولية العامة الجمعية يجعل من ظهور ذلك التباين بين السلوك والرأي أمرا ظاهرا ومتكررا، بالإضافة إلى أن حضور حفلة غنائية خارج الوطن لا يجعل الفرد يشعر أنها متاحة للجميع بما في ذلك من هو مسؤول عنهم تربويا وأخلاقيا كالأبناء والبنات مثلا، هذه الفكرة ربما تمثل ضاغطا نفسيا يجعل سلوك الأفراد في الخارج يختلف عن رأيهم في فعاليات مماثلة في الداخل. هذا أيضا أمر طبيعي بالنظر لطبيعة التربية الاجتماعية التقليدية والثقافة الأبوية، والتعامل الأمثل معه هو بالمزيد من الفعاليات الواسعة والمتنوعة كذلك.

(أنتم لا تكتبون إلا عن الأغاني والحفلات واختصرتم التنمية والتطور والرؤية ومشروعات التحول في كل ذلك) هذا رأي يتكرر باستمرار وتهمة يواجهها غالبا كل من يكتبون ويتحدثون في هذا الشأن، وهي أيضا رأي طبيعي، لكن أصحاب ذلك الاتهام غالبا ما يردفونه بتساؤلات عاطفية ومؤثرة اجتماعيا مثل: لماذا لا توجهون جهودكم هذه لقضايا البطالة والإسكان وحوادث المرور وتصريف السيول، هذا كلام عاطفي جدا وطبيعي أيضا، لكنه ينطلق من الفكرة التقليدية التي تجعل من الترفيه مرحلة، مرحلة تالية تأتي بعد الانتهاء من جميع الملفات والقضايا التنموية، وهذا خطأ جوهري أكبر، الترفيه يجب أن يظل شأنا يوميا قائما لا علاقة له بما حققه الفرد من قضايا أساسية، فصاحب المنزل المستأجر يحق له أن يجد خياره الترفيهي المناسب له، تماما مثل صاحب المنزل المملوك، وهكذا الطالب والموظف والباحث عن عمل والطفل والأم والطالبة، إنه شأن يومي عام ودائم ومتجدد.

لكن هل التوجه الجديد نحو الترفيه يلغي حقوق من يبحثون عن ترفيه يناسب رؤيتهم المحافظة (لاحظوا.. المحافظة وليست التقليدية) الجواب هو: أولا متى توقفت المحاضرات والأمسيات والبرامج الصيفية والمهرجانات الخطابية والإنشادية؟ طبعا هي تقدم مستويات سطحية جدا من قبيل المسابقات التي تقدمها ومحاولات الاستظراف والإضحاك وافتعال خفة الدم، ومع ذلك فهي لا تزال قائمة، إلا أن السؤال يكمن في سبب توجه تلك الفعاليات والأنشطة المحافظة لإضفاء شيء من الظرافة على ما يقومون به (تزخر مواقع الإنترنت بالكثير من مقاطع الفيديو التي تظهر فعاليات مثل سباق امتصاص الحليب من رضاعات الأطفال وشرب المشروبات الغازية ثم ظهور شاب تائب من سماع الأغاني في نهاية الأمسية والتعليقات المصاحبة لتلك الفيديوهات تكشف حجم الاستخفاف العام لها) السبب في ذلك التوجه هو محاولة خلق ترفيه لا يقع فيما يرونه محذورا شرعيا وهذا أمر طبيعي، لكن من غير المقبول أن يكون ذلك الرأي عاما أو ينطبق على الجميع. الترفيه قيمة يومية في حياة المدينة وهو يتنوع نظرا للقيمة المدنية العليا القائمة على التنوع والمزيد منه يعني المزيد من التحفيز والبناء الثقافي الحضاري باتجاه المدنية. والمدنية هي التي تهزم التطرف والبطالة ولعبة مص الحليب من علب رضاعات الأطفال.

yameer33@hotmail.com