طابت الأيام لشداد عند جماعته ضيفه وكيفه وترحيب وتهليل. كان يقضي جل وقته في شاحنته، يشغّلها ويدبّل الديزل، فيبلغ صوت ماطورها أعلى القرية، ويتقاطر الصغار ليتحلقوا حول دخان الشكمان.

ينصرف شداد لمسح القزاز بخرقة حمراء، ثم يرفع الكبوت ويضع له عصاة ساندة، يتحفش الثوب عن ذرعانه ويسوي نفسه يتفقد الزيت وعينه على النوافذ الخشبية المشرعة.

بدأ أحد الأطفال يتهجأ سطراً مكتوباً على مؤخرة (أبو شنب) ارتفع صوته: على كيف القِدر يمشي، تعالت ضحكات الصغار، احتجوا عليه: يا أهبل فيه قدر يمشي؟ قال الماهر منهم (على كف القدر نمشي، ولا ندري عن المكتوب) صفق المتعاطفون معه، سمع السواق كل ما دار بينهم فأخرج ربع ريال من جيبه ومد بها لقارئ العبارة.

بعد أيام من عودته نشدته أمه: وين أخوك يا شداد ما جاء معك؟ أجاب: أوه يمه والله ما ودي يكون نشدتيني، سألت: عسى ما جرى خلاف على أخوك، لا، أبشرك ماشي ولا خلاف لكن ولدك هواوي، وما عاد يسمع كفحه، يلبس ثوب كبك، وغترة مطرزة، وما يسهر إلا مع محمد علي سندي. قالت: شن هو سندي ذيه؟ قال «المطرب اللي يغني في راديك على العقيق اجتمعنا» تساءلت: ويجي له مصلحة من الدندنة تيه، قال: والله حسب علمي ترفيه وبسط وهز وسط.

ذات ليلة من ليالي الصيف عاد الغائب في سيارة صفراء تحمل على شبكها العلوي أغراضاً كثيرة، استبشرت القرية خيراً فلن يحرم الكبير والصغير والمرة والرجّال من هدية وكساوي وبخور وحمبص وحلاوة.

لزم الشاب المزركش البيت والجماعة يترقبون، وذات ليلة ذاع في مساريب القرية صوت شجي مردداً (يا موتراً ريت نوره من ولايات صنعا، مجار ما يصرف الديزل ولا يصرف الزيت). علمي وسلامتكم