تصنف مدينة الرياض بأنها واحدة من أكثر مدن العالم عبوساً، فهي مدينة طاردة للبهجة والحبور، ورغم كونها من أكثر مدن العالم حداثة في الإمكانيات المادية والبنية التحتية، وتتوشح بقدر لا يستهان به من الاتزان والرزانة الأقرب إلى التصوف الاجتماعي، إلا أنها مدينة صامتة لا تجيد الحديث مع أهلها، والسمر مع زوارها، فهي مدينة مكتئبة تفتقر لأدنى درجات الفرح والحبور التي تحتاجها النفس البشرية السوية، ولذلك كثيرا ما يهرع سكانها إلى الهرب منها في أقرب فرصة ممكنة حتى ولو كانت عطلة نهاية أسبوع !

وتشير الكثير من الدراسات، ومن بينها دراسة أكاديمية، إلى أن سكان المدينة هم الأكثر عرضة للاكتئاب، فهي مدينة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مقطبة الحاجبين وغير متسامحة مع زوارها، وللأسف فهي لم تكتف بذلك، ولكنها عكست وصدرت ثقافة الاكتئاب على بقية المدن باعتبارها العاصمة، وخصوصاً تلك المدن التي كان ينظر إليها تاريخيا - وقبل هذا المد - على أنها موطن للبهجة الاجتماعية، وممارسة الفرح الشعبي.

ومشروع مدينة القدية الترفيهية الذي أعلن عنها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان هي خطوة تاريخية ليس لها مثيل، لا لأنها تشكل نقلة منتظرة للمقاربة بين فجوة عميقة تكرست بين مظاهر الفرح ومظاهر التوحش، ولكن لأنها مرحلة انتقال بين ثقافة الاكتئاب الاجتماعي الذي ظن البعض أنه قدر لنا ولأسرنا وأجيالنا وبين ثقافة البهجة والسرور، وفي اعتقادي أنه مشروع في محله مهما كانت تكاليفه، لأن تنمية الذات البشرية في مجتمعنا أصبحت حاليا أكثر حاجة وجدوى من تنمية الشارع أو الطريق، أضف إلى ذلك أنه يمكن أن يكون لنا بصمة عالمية في ثقافة الفرح النظيف والمحترم، والتي أصبح ينظر لنا حاليا ونمطيا بعكس ذلك تماما، بعد أن غربت مظاهر البهجة نهائياً عن مجتمعاتنا وطوردت بقاياها في شوارعنا وحوارينا وأزقتنا إلى أن اختفت تماماً.

وهذا المشروع الذي يؤسس لثقافة جديدة تقوم على فكرة أنه يحق لنا أن نفرح في بلادنا، وليس في البلدان المجاورة أو البعيدة فقط، وسوف يخفف من الاحتقان الاجتماعي ومظاهر الزحف الشعبي إلى الدول المجاورة في العطل والإجازات والذي تحول إلى ظاهرة ملفتة للنظر ومحرجة أمام جيراننا والعالم أجمع، ولا أحد يمكن أن يتنبأ كيف ستكون تداعياته أو انعكاساته مستقبلا، وسوف يوفر المشروع على البلاد أموالاً طائلة تنفق في الخارج، كما سوف يوفر فرصاً وظيفية لا حصر لها، ويمكن أن يشكل لاحقا منصة لبنية تحتية للسياحة النظيفة والمصدرة، يمكن أن تستقطب بموجبه سواحاً من الخارج للتعرف على بلادنا وإزالة الصورة النمطية أمام العالم، ونكسر من خلالها طوق العزلة السياحية النظيفة والبريئة والتي لم تكن من سمة ولا طبيعة مجتمعاتنا على مر التاريخ، خصوصا أننا جميعا شركاء في الوطن الواحد.

Alholyan@hotmail.com