لستُ هنا بصدد مناقشة أصل الإنسان كما قررها (دارون) ولن أتعرض لمواقف الكهنة ورجال الدين من العلم، كون الناس أعداء لما جاهلوا. وأنجع وسيلة لتدمير إنسان تتمثل في اتهامه في عقيدته، أو في عقله، ولم يسلم صاحب النظرية من كلا الاتهامين، إلا أن احترام البريطانيين لعلمائهم منحه حق الدفن في كنيسة.

ليس هذا موضوعي، إنما أردتُ أن أنحو بالنشوء والارتقاء منحى فلسفياً، فلو كنا جميعاً مؤمنين بالنشوء والارتقاء على مستوى بشري محسوس، ورصدنا مسيرة حياتنا من الولادة حتى دنو الأجل، سنجد أن المتجلي والماثل للعيان هو النشوء فقط، أما الارتقاء فربما ندرة محدودة منا بلغت ذلك المبلغ السوي.

يفترض أننا نخرج سريعاً من الطفولة بعد العاشرة إلا أن شريحة منا لا يمكنها الخروج من طفولتها ونزق الصغار ولو بلغت من الكبر عتياً، كما يفترض أن البشر بعد العشرين يتخلصون من سطوة المراهقة إلا أن أجيالا تظل مراهقة بصور سلبية لا على مستوى نزواتها الفطرية بل مراهقة معرفية ومراهقة اجتماعية ومراهقات عدة تجلت بعض مظاهرها في (عنف لا إنساني) تجاه المرأة أو الإنسان أو الطفل أو العامل الوافد.

لو قال أحدنا لآخر يا طفل. وهو شيخ كبير. أو يا مراهق وهو وقور. فلربما تقع مشادة وتنشب النشايب. بينما لو تفكّر الموجه إليه التوصيف في شأن نفسه وتأمل مستوى أدائه مع أسرته وفي عمله سيعترف إن كان منصفاً أنه لم يخرج بعد إلى الارتقاء هذا إن لم يقر بسماحة خاطر أنه لم يدخل بعد مرحلة النشوء.

هذا الكلام ليس مقصوراً على الأفراد بل وعلى المؤسسات خصوصاً الخدمية منها، إذ إن مما يؤسف له أن أعداداً من موظفي القطاعين لا تنظر إلى العمل على أنه أمانة ومسؤولية، بحكم أن السابق يُميت ضمير اللاحق، ويدربه على مرحلة النشوء فقط. (اطلب من المراجع ملفاً علاقياً، لا تخدمه بسرعة حتى لا يعتاد ويقلقك)، كيف يخرج هؤلاء إلى الارتقاء.

النشوء والارتقاء نظرية يمكن أن نستوعبها من زاوية جمالية، ونطور بها ذواتنا، وأدواتنا ومنظومتنا الحكومية والأهلية، وكل نظام نشأ ولم يرتق هو في نكوص ولا ريب.