تسعة وخمسون صاروخا أمريكيا من نوع توماهوك تستهدف مطار الشعيرات العسكري التابع لنظام الأسد والذي انطلقت منه الطائرات التي نفذت المجزة الدامية في خان شيخون الثلاثاء الماضي، وتدمر المطار وتكشف عن عودة أمريكية للمنطقة بعد الانسحابات السابقة والفراغات التي تسببت بها إدارة أوباما السابقة.

الآن سينبري لك عروبي عتيق يستنكر عليك أن تؤيد أن قوة أجنبية تقصف أرضا عربية مسلمة، لا عليك فهو ذاته الذي كان يرى في ميليشيا حزب الله مقاومة وفِي أمينها العام قائدا للمقاومة إبان العبث الذي ارتكبه الحزب العام ٢٠٠٦، علما أنه لا سوريا ولا جنوب لبنان لم تعد أرضا عربية منذ بدأ ذلك التوغل الإيراني وتبعه ذلك التدخل الروسي.

في الثامن عشر من ديسمبر العام ٢٠١١ عبرت آخر عربة أمريكية مدرعة من الفرقة الثالثة الحدود العراقية باتجاه الكويت معلنة الانسحاب الأمريكي من العراق بعد تسع سنوات خلفت ما يزيد على أربعة آلاف قتيل وأكثر من 30 ألف جريح أمريكي، كان إنزال العلم الأمريكي في الحفل البائس الذي شهده مطار بغداد إيذانا باندلاع صراعات عراقية طائفية وتوغل إيراني وتغيير ديموغرافي كبير انطلقت أعماله صبيحة اليوم التالي للانسحاب، وهو ما فاقم الوضع في العراق وجعل منه دولة فاشلة تتنازعها الحروب والصراعات الطائفية والتوغل الإيراني.

كان الانسحاب الأمريكي لإدارة أوباما في تلك الحقبة جزءا من عملية استقبال الربيع العربي في المنطقة وتجسيدا لنظرية الإدارة من الخلف، كان الإدارة الأمريكية آنذاك ترى أنه حان الوقت ليتولى الشارع إدارة كل قضاياه في إعلان لمرحلة جديدة من الفوضى لم يكن الفتور الذي أصاب علاقة واشنطن بالحلفاء الأقرب في المنطقة إلا إحدى نتائجها.

في الواقع أن قائد أمريكا هو الذي يدرك مسؤوليتها وموقفها الحقيقي المفترض من العالم، فقدر أمريكا أن تكون لديها مسؤولية تجاه العالم بصفتها نموذجه الأبرز على مستويات القوة والتنوع والتأثير، وبلا مبالغة كما هو دور المملكة العربية السعودية الأخلاقي تجاه منطقتها وأمنها. وهو ما يفسر البيان السعودي الموفق الذي تلا الضربة الأمريكية على مطار الشعيرات.

لم تكن جريمة خان شيخون هي الجريمة الأولى التي ترتكبها ميليشيا الأسد بحق المواطنين السوريين، في الثاني عشر من أغسطس العام ٢٠١٣ كانت الغوطة الواقعة شرق دمشق على موعد مع جريمة بشعة استخدم فيها نظام الأسد الغازات الكيماوية وسقط ضحايا بالمئات، ومثلت تلك الحادثة تجاوزا للخطوط الحمراء التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي السابق أوباما مهددا أنه لن يسمح لنظام الأسد بتجاوزها، ورغم المحاولات الكبرى التي بذلتها دول المنطقة وعلى رأسها المملكة لحث واشنطن والمجتمع الدولي على القيام بدوره اكتفى الرئيس المثقف أن يعبر البيت عن قلقه، كانت تلك الردود تطمينا لنظام الأسد أن خطوط أوباما الحمراء ليست كذلك ليبدأ بعدها زمن البراميل المتفجرة والأسلحة المحرمة دوليا في أبشع مجازر شهدها العصر الحديث.

سوف يكون من الملائم جدا لواشنطن أن تعود إلى المنطقة عبر أبرز ملفاتها وقضاياها وهي الملف السوري، وسيكون من الأقرب للشارع العربي وهو يرى شيئا ما يسعى لإنهاء تلك المأساة الإنسانية التي عايشها لمدة ست سنوات. وسيكون للشارع العربي أيضا فرصة أن يرى أن الدول التي وقفت مبكرا ضد نظام الأسد كانت تدرك أن القتل التدمير الذي بدأ لن ينتهي إلا بقوة ردع دولية كبرى.

yameer33@hotmail.com