السجن والغرامة وغيرها من العقوبات التبعية والتكميلية لكل من يرتكب جريمة الرشوة والاختلاس أو أي جريمة أو مخالفة تنتهك حرمة المال العام -ذكرتها في مقالات سابقة- من رجال الأعمال والإدارة وكبار التنفيذيين في قطاع الأعمال وغيرهم والمحاسبين والمهنيين.

وقد وُضعت تلك العقوبات لتُطبق على المخالفين بإرادتهم المطلقة لرغبتهم في الحصول على أموال ومنافع في الأساس ليسوا مستحقين لها، أي على من اختار ارتكاب الجريمة أو المخالفة رغم وضوح القوانين الصادرة بالمراسيم الملكية وملاءمتها للوطن والمواطن وسلامة اللوائح التنفيذية التى تشرح وتصف بعدالة كيفية نفاذ تلك القوانين.

وإذا كانت تلك هي الحكمة من وضع العقوبات، فعلى ذلك يكون من المناسب تجريم الممارسات التي تنطوي على قدر كبير من الفساد؛ مثل حصول شخص على ارتفاع لمبناه غير ما هو معلن في مخطط، وحصول أبناء على بعثة غير مستحقة، والترخيص لمشاغل بخدمات معينة دون الأخرى، وعدم الحصول على التراخيص في مدد معقولة، وتأخر الحصول على أي حق مشروع، وعدم احترام القانون أوالتعسف في تطبيقه، وتأخر التحقيق والادعاء والتقاضي وتنفيذ الأحكام. وهذه الأمثلة وغيرها مخالفات تنطوي على وجه من أوجه الفساد.

ومثل هذه الممارسات تصدر من بعض القائمين على العمل في الإدارة الحكومية، والمفترض أنهم متواجدون لخدمة المواطن بدون تأخير أو تعطيل أو مماطلة أو محاباة أو أي وجه للفساد.

أوجه الفساد التي عجزت هيئات الرقابة المختلفة تاريخياً في معالجتها بما فيها هيئة مكافحة الفساد بالرغم من الدعم المالي والإداري والمعنوي الكبير والترحيب الإعلامي والاجتماعي، رغم أنها أُنشئت لمواجهة فساد الأجهزة الحكومية المتمثل فى غياب الحوكمة والشفافية وسوء توظيف الكوادر المختلفة وفي غياب الرؤية الاستراتيجية وخطط الأداء المرتبطة بالأهداف المباشرة والمتوسطة والطويلة الأجل، ودليل هذا العجز المؤشرات الدولية لواقع فساد منشور عالمياً ولواقع نتعايش معه.

ولعلي أثمن قرارات المجلس الأعلى للقضاء حيال بعض القضاة وكتاب العدل، لأنها تظهر أن الفساد قد يكون متواجدا في جميع السلطات والهيئات ولكن لا بد من التصدي له كما فعل التفتيش القضائي التصدي الذى تفتقده معظم الوزارات والهيئات وأجهزة الضبط والتحقيق والادعاء.

والفساد انعكاس لما رسخه غياب الحوكمة في أعمال الإدارة الحكومية وهو أكبر مخاطر تنفيذ رؤية 2030 التي تحتاج إلى قطاع حكومي قادر على أن يخدم ويشجع القطاع الخاص والأفراد على العمل والإبداع والإنتاج ودفعهم إلى محاربة الرشوة والفساد ويتطلب هذا إعادة الهيكلة الحكومية بفكر جذري جديد يركز على اختيار الشخص المناسب في الوظيفة المناسبة وفق التأهيل العلمي المناسب مع استمرار التطوير والتدريب والرقابة والمتابعة وليس تعديل مسميات وشكليات ترهق ميزانية المال العام.

@majedgaroub