AL_AROBAI@

شحّت السماء بمائها. ولفظت الآبار والأودية آخر أنفاسها عدا نقوع ما تذكر. قال (شدّاد): يمّه. أجابته «يمي». أضاف: أنا وأخي (رداد) بنشد من الديرة. نسافر نبحث عن رزق. باع من الغنم ما يمكن أن يؤمن بقيمتها بعض لوازم البيت. ولجأ إلى (مرابي القرية) كما يطلقون عليه؛ ليستدينوا منه ما يعينهم على السفر.

دخل شداد ووجد الرأسمالي متمدد فوق الجاعد، سأله: «وش جابك تا الحزة يا ذرى غالية؟»، قعد عند أقدامه، وبدأ يغمّز رجليه ويستدرجه بالسوالف والطرائف. ليسلفه عشرة ريالات فضة. قال «تعطيني شعرة من لحيتك رهناً». ردّ شداد «أعطيك لحيتي كلها. فقال: «قم قامت قيامتك والله ما دامت لحيتك رخيصة عليك ما تسددني».

انصرف منكسراً، وقال افلح يا رداد حاول في الجني. كان رداد شرها في التدخين. والنار في الملة لهبها يبلغ عنان السقف. أخرج علبة أبو جنيه والكبريت وكلما شخط بعود انطفأ. قال المرابي: كيف لك يا رداد مريت عليه؟ بدأ يروي عليه أنه وشداد عزما على السفر وفي حاجة دينة إلى رأس الحول. الريال بريالين، وأصابعه تشخّط عيدان الكبريت ليولع السجارة. قال: صاح الله عليك إن كان لهب النار أطول من قامتك وخسّرت علبة كبريت عشان تولع تنباكك. أقلع والله لو تبغي ريال أخرق به عينك.

اختاروا الفقيه وسيطاً ليقترض لهما. قال لهما: حرام يا الرفاقة. قالوا: الضرورة تبيح المحظور. فقال: إذاً عمولتي واحد في المية. قالوا: ما كنت تقول حرام. قال: ساعة فيها كذا وساعة فيها كذا.

بعد أعوام. بينما غالية تقف فوق البيت وإذا بغبار شاحنة ماركة (أبو شنب) مقبلة من الشرق. كانت تضع كفها فوق جبهتها للتحقق من شخص السائق. تصايحت القرية (شداد جاب مرتدس) تعالت الزغاريد. احتفت القرية بالعائد وشاحنته. البعض يمسح قزازها. وسيدات يصنعن الكثل ويعلقنها في المرآة. وأخريات أهدينه ثوباً للمسجل.

كل مساء وليمة وغناء ورقص. كانت غالية تفاخر بابنها وتغني: «والله ما أركب في القلاب يقلبني. اركب في أبو شنب ساعة يوديني». علمي وسلامتكم.