أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت هي الفترة التي شهدت أبرز حركات الإصلاح والتجديد الديني، وفي الغالب فإن كل حركات الإصلاح ودعوات التنوير انطلقت من كونها إصلاحا وتجديدا دينيا مما يعكس محورية الدين في الحياة والثقافة والعقلية العربية، وبالتالي يمكن القول إن كل تلك الحركات انطلقت لتجيب على سؤال واحد هو: كيف يمكن بناء نهضة ومدنية دون أن يمثل ذلك تخليا عن الدين أو عن بعض تعاليمه؟ وفي محاولات الإجابة على هذا السؤال انقسمت تلك الحركات إلى أكثر من مستوى: الأول الذي يرى أن الحل يكمن في العودة إلى الدين في أصوله الأولى ووفق الفهم السلفي الذي كانت عليه المرحلة المبكرة إبان الدعوة المحمدية، ومستوى آخر يرى أن الحل يكمن في إعادة قراءة الدين والفصل بين ما هو ظرفي تاريخي وبين ما هو ثابت ومستمر.

كانت معضلة كل تلك الحركات تكمن في التعامل مع التراث الديني المدون الذي انطلق في بدايات القرن الثاني، والذي أنتج كما ضخما من المؤلفات والتفسيرات والأحكام، أما لم كانت المعضلة تكمن هنا فالسبب أن تلك المؤلفات هي التي هيمنت على العقل الجمعي العام، ومثلت التفسير الرائج للإسلام على امتداد العصور، وظل هو العقبة الكبرى أمام مختلف حركات الإصلاح التي لم تستطع تجاوزه ولا تفكيكه، علاوة على ارتباط كثير من تلك الحركات بأهداف سياسية.

هذا التجذر الكبير للمدون الفقهي والحديثي وكتب التفسير وغيرها وجعلها مرجعية لدى بعض حركات الإصلاح والتنوير جعلها تحمل في داخلها بذور الفشل وقلة الجدوى، إذ إن أول شروط الإصلاح أن يكون خاضعا لظروفه وسياقاته الزمنية وليس مرتهنا لظروف وأزمنة سابقة.

تلك الهيمنة وذلك الخوف من تجاوز المدون للوصول إلى النص الأصلي المتمثل في كتاب الله تعالى وصحيح سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

أصبح الاعتدال معضلة والانفتاح معضلة ولم تعد التعاليم الإسلامية أصلية قادمة من المصدر، بل أصبحت مجرد نقولات قادمة من أزمنة مختلفة لا علاقة لها بالواقع ولا بصيرورة التاريخ ولا بقيم الاستمرار والحيوية التي يحملها الإسلام وينطلق منها.

الحيوية والعالمية والإنسانية التي يحملها القرآن الكريم توارت خلف ذلك الكم الهائل من المؤلفات الفقهية والتفسيرية التراثية وغلب الوعظ على العلم والبحث والمعرفة، وساد نمط غريب من الاستدلال بالقرآن الكريم لا يصل إلى أدنى مستويات التدبر والتفكر مما كرس من هيمنة المدون.

لم يحسم علماء المسلمين الموقف من الجهاد والدولة الوطنية والتنمية والعلاقة مع الآخر والإرهاب والمرأة وغيرها من الملفات وذلك لسبب يسير هو أن المصدر المهيمن يتمثل في التراث ولو كانت المصدرية الحقيقية نابعة من القرآن الكريم لما شهدت تلك الملفات كل هذا التعقيد الذي تشهده الآن.

إن أمة لديها هذا الكتاب العظيم لا يصح أبدا أن يكون هذا واقعها وإن الرسالة المحمدية العظيمة إنما جاءت لتضع نهجا جديدا للحياة لكل العالم، لن تنجح بالتالي كل محاولات بناء الاعتدال والوسطية إلا بالعودة الحقيقية للقرآن الكريم، لأننا اكتشفنا بعد كل هذه السنين أننا لم نكن نقرأ كتاب الله إنما نقرأ كلاما كتب لنا عن كلام الله.