على رغم أن مسألة «تعدد الزوجات» تعتبر من الناحية الفقهية ضمن نطاق (المباح)، إلا أنها ما زالت خطاً أحمر، ومسألة شائكة يصعب الاقتراب منها، وإبداء رأي فقهي جديد أو جذري بشكل صريح ومباشر فيها، ومن تناولها بطريقة مختلفة تنطلق من مقاصد المشرع ومتغيرات العصر، فعادة ما يلاحق بأوصاف التبديع والتفسيق، وربما وصل الأمر لحد التكفير! لكن الغريب في المقابل تجد الصوت النسائي بشكل عام، حتى المتدينات المحافظات منهن لا يجدن أدنى حرج في التعبير العلني عن ضجرهن ورفضهن لفكرة تعدد الزوجات، والنظر إلى هذه المسألة باعتبارها «كارثة» أخلاقية، ووصمة سوداء في تاريخ الرجل الذي يقترفها، وكأن الأمر في أصله قد جاء من مشكاة أخرى مختلفة عما يؤمنّ به وينتمين إليه. (ربما يستثنى منهن تلك الأكاديمية التي دعت إلى إنشاء مشروع خاص يسهل التعدد على الرجال، كما ورد في برنامج اتجاهات مع نادين البدير على روتانا).

هذا الانقسام الطبيعي الذي تحدثه المسألة بين الواقع النظري، والطبيعة النفسية للمرأة، انتبه له بشكل مبكر الشيخ الإصلاحي رفاعة الطهطاوي الذي اتخذ موقفا ينضم لقائمة الآراء النادرة تجاه مسألة تعدد الزوجات، في وقت كان المجتمع بشكل عام مقبلا على التعدد والتسري، فهو اعتبر أن التعدد من الأمور التي تساهم في وقوع الاختلاف والشقاق، كما ورد في كتابه (المرشد الأمين في تربية البنات والبنين) قوله: «وندب ألا يزيد على امرأة من غير حاجة ظاهرة، فمن الجزم ألا يغتر الرجل بما تظهره له المرأة من عدم غيرتها، والرضا بأن يتزوج عليها» مدللاً بموقف أحدهم: «إياك أن تتزوج على امرأتك، إلا إن وطنت نفسك على نكد الدهر».

هذا الكلام من الإصلاحي المبكر لم يكن مجرد آراء منثورة، بل وثقها في سلوك عملي حين أراد أن يتزوج ابنة خاله، كتب إليها رسالة مؤثرة عام 1839، التزم فيها بالإخلاص والوفاء، والامتناع عن الزواج بأخرى، يقول: «التزم كاتب الأحرف رفاعة بدوي رافع لابنة خاله المصونة الحاجة كريمة بنت العلاَّمة الشيخ محمد الفرغلي الأنصاري أن يبقى معها وحدها على الزوجيَّة دون غيرها من زوجة أخرى أو جارية أياما كانت وعلَّق عصمتَها على أخذ غيرها من نساء أو تمتع بجارية أخرى.. فاذا تزوَّج بزوجة أياما كانت بنت خاله بمجرد العقد خالصة بالثلاثة وكذلك إذا تمتع بجارية ملك يمين، ولكن وعدها وعدا صحيحاً لا يُنقض ولا يخل أنها ما دامت معه على المحبَّة المعهودة مقيمةً على الأمانة والحفظ لبيتها ولأولادها ولخدمها ساكنةً معه في محل سكناه لن يتزوج بغيرها أصلاً ولا يتمتَّعَ بجوارٍ أصلاً ولا يُخرجها من عصمته حتى يقضي الله لأحدهما بقضاء. هذا ما انخطت عليه العهود وشهد الله سبحانه وتعالى بذلك وملائكتُه ورسلُه وإن فعل المذكور خلافَه كان الله تعالى هو الوكيل العادل للزوجة المذكورة يقتصُّ لها منه في الدنيا والآخرة. (رفاعة بدوي رافع، 14 شوال 1255هـ)». من القلائل أيضا الذين دعوا إلى إعادة النظر في حكم تعدد الزوجات، والتضييق في هذه المسألة هو الشيخ محمد عبده الذي يرى أن التوسع في إتاحة التعدد قد يفضي لخراب البيوت وتفكك الأسر، فدعا لتقنينه، وأفتى أنه يجوز للحاكم في هذا العصر منعه، والاستثناء منه فقط للضرورة، وهو ما ورد في أوراق نشرها صاحب المنار الإمام رشيد رضا، الذي قال: «وجدت بين أوراق شيخنا الأستاذ الإمام محمد عبده الفتاوى الآتية، فأحببت نشرها؛ لتصدي الحكومة المصرية لتقييد إباحة التعدد، وكثرة الكلام فيه».. ومن هذه الفتاوى سائل يسأل: هل يجوز تعدد الزوجات إذا غلبت مفسدته؟

فكان جواب محمد عبده: «أما (أولاً)؛ فلأن شرط التعدد هو التحقق من العدل، وهذا الشرط مفقود حتمًا، فإن وجد في واحد من المليون، فلا يصح أن يتخذ قاعدة؛ ومتى غلب الفساد على النفوس، وصار من المرجح ألا يعدل الرجال في زوجاتهم؛ جاز للحاكم، أو للعالم أن يمنع التعدد مطلقًا مراعاةً للأغلب. (وثانيًا) قد غلب سوء معاملة الرجال لزوجاتهم عند التعدد، وحرمانهن من حقوقهن في النفقة، والراحة، ولهذا يجوز للحاكم، وللقائم على الشرع أن يمنع التعدد دفعًا للفساد الغالب. (وثالثًا) قد ظهر أن منشأ الفساد، والعداوة بين الأولاد هو اختلاف أمهاتهم، فإن كل واحد منهم يتربى على بغض الآخر، وكراهته، فلا يبلغ الأولاد أشدهم إلا وقد صار كل منهم من أشد الأعداء للآخر، ويستمر النزاع بينهم إلى أن يخربوا بيوتهم بأيديهم، وأيدي الظالمين، ولهذا يجوز للحاكم، أو لصاحب الدين أن يمنع تعدد الزوجات؛ صيانةً للبيوت عن الفساد».

يعلق صاحب المنار: «هذا نص الفتوى، وهي مبنية على قاعدة جواز منع كل مباح ثبت ضرر استعماله لدى أولي الأمر، ومنه منع حكومة مصر لصيد بعض الطيور التي تأكل حشرات الزرع؛ فيسلم من الهلاك، ومنع ذبح عجول البقر أحيانًا للحاجة إليها في الزراعة مع قاعدة إعطاء الفساد الغالب حكم العام، ثم استثنى من منع تعدد الزوجات ما كان لغرض شرعي صحيح، وهو طلب النسل. أقول: ومثله ما كان لضرورة أخرى تثبت لدى الحاكم الشرعي، وهذه الضرورات لا يسهل حصرها في عدد معين».

ولا يغيب عن قائمة الآراء النادرة في هذه المسألة، الرأي الأكثر شهرة وجدلاً، الذي تحول بعد وقت قصير من بثه ونشره، وبعد زمن يسير من تكفير صاحبه ونفيه ونبذه، إلى واقع قائم، وقانون سائد في بلاده، وهو رأي الإصلاحي التونسي الطاهر الحداد في كتابه المثير (امرأتنا في الشريعة والمجتمع) -صدر عام 1930- الذي رأى فيه أن تعدد الزوجات في أصله عادة اجتماعية وليست دينية، وأن الإسلام تعامل معها كما تعامل مع مسألة الأرقاء والعبيد، وفقاً للوضع القائم، لكنه حبذ ورغب في الإعتاق، وأكد على فضائل تحرير الأرقاء، يقول: «ليس لي أن أقول بتعدد الزوجات في الإسلام، لأنني لم أر للإسلام أثرا فيه، وإنما هو سيئة من سيئات الجاهلية الأولى التي جاهدها الإسلام طبق سياسته التدريجية. وكان عامة العرب يعددون نساءهم بلا حد لاستعمالهن في خدمة الأرض استغناء بهن عن الأجراء، وخدمة البيت والاستمتاع، فجاء الإسلام ووضع حدا لذلك (أمسك أربعا وفارق سائرهن)، ثم تدرج إلى اشتراط العدل بالتسوية بينهن، وجعل الخوف من عدم العدل كتحققه، كما في الآية (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم...) تحذيرا لهم من عاقبة التعدد، ثم عبر عن تعذر الوفاء بشرط العدل بينهن مهما بذل فيه من الحرص (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)».

لكن هذه الآراء في حينه وحتى اليوم مازالت محل رفض وإشكال، فـ«امرأة الحداد أصابها الحداد»، كما جاء في الرد القاسي من الشيخ محمد الصالح بن مراد، ثم الشيخ عمر البري المدني الذي ألف كتابا في الرد عليه بعنوان «سيف الحق على من لا يرى الحق»، وانتهى الحال بالطاهر الحداد بعد صدور كتابه أن سحبت منه الهوية الإسلامية، وحكمت لجنة مكلفة من جامع الزيتونة بتكفيره، وحجز كتابه.