كثيراً ما ظلمنا النص الديني بتوظيفه لمصلحتنا الشخصية عندما نحتاج إلى ذلك، مستغلين أن اللغة حمالة أوجه، وأن الآية والحديث يتسعان ويضيقان بحسب قناعة من ينصب نفسه سلطة على النص بالنص. ومما شاع بيننا على أنه توجيه نبوي كريم، وتلقته الأمة بالقبول (الأقربون أولى بالمعروف)، وبما أننا مجتمع عائلي وقبلي فمن الطبيعي أن نعطف ونشفق على ذوي القربى ونخصّهم بالفضل والإكرام. وربما كانت هذه من مآخذ الناقمين على عثمان بن عفان رضي الله عنه كونه أدنى إليه ذوي رحمه وشركاءه في نسبه، وخصهم بما لم يخص به آخرين، ما دفع صحابياً بحجم أبي ذر الغفاري إلى انتقاد ما يرى، فكان قرار النفي إلى الربذة.

بين الكائن المعروف وبين الكائن المعرفي بون شاسع، ربما لا ندركه، أو أننا ندركه ونتجاهله، برغم أن الآية صريحة في ترجيح كفة المعرفي (إن خير من استأجرت القوي الأمين) إلا أن المعروف ينال حظوة أكبر على مستوى الزواج والوظيفة والترقية والعلاوة والانتداب والتجاوز عن الهفوات، وربما هذه من سمات حقبة ما قبل رؤية التحول الوطني؛ كونها حقبة تعالى فيها البعض على النقد والمراجعة حتى جعلت من رصد الملاحظات وإعلانها عداءً مطلقاً وترصداً للأخطاء.

ناقش الصحابةُ النبي عليه السلام عندما اقترح عليهم طريقة لتلقيح النخل اتضح لاحقاً أنها غير صالحة، ما دفع المصطفى إلى الاعتذار بكل شفافية، وقال «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»، ليقرر أن المعرفة من خلال العلم أو التجربة هي أرقى وسائل النهوض بالمجتمع، بل هي العدل ذاته، خصوصاً عندما نختار مؤهلاً ليشغل منصباً أو وظيفة بصرف النظر عن صلة قرابتنا به أو صلة قرابته بمن يعز علينا. أتمنى أن نلغي مصطلح (وش يرجع) و(وش هو من لحية) أو (تعرفه) أو (يقرب لمن) ونحتكم إلى الأهلية والمواصفات المعرفية والمعايير الموضوعية. نحن نحتاج اليوم معرفيين لا معارف، وكم جرّبنا المعروفين لنا سنين عددا، ونتطلع لفرصة نمنح الفرصة فيها للمعرفيين، ومن يحب شخصاً فليمنحه فرصة للتعلم والتعرف والتدرب والابتعاث، فالأقربون أولى بالمعرفة، ولن نكون أفضل إلا بتغيير الطريقة التي كنا نفكر ونعيش بها.