AL_AROBAI@

ربما لم يتعرض زعيمٌ لنقد جارح من الإسلاميين مثل ما تعرض له مصطفى كمال أتاتورك. وتحفل أدبيات حزب الإخوان تحديداً بتخوين الرجل واتهامه في انتمائه وتحميله مسؤولية انهيار الخلافة والتهوين من شأن إنجازاته وإصلاحاته.

هؤلاء الناقمون على أتاتورك يغفلون أو يتجاهلون دوره الريادي والقيادي في ما وصلت إليه تركيا اليوم، والذي ربما لم يكن ليتحقق لها لو أن سواه تولى زمام الأمور. وأؤكد على ربما حتى لا نجزم الأمر في قضية غيبية لم تقع. إلا أن الغازي كما يطلق عليه الأتراك أسس دولة مدنية حديثة لشعب مسلم دون أن يرفع شعار الشعارات الساحرة ألباب الغلابة.

بالطبع نشأت لاحقاً في تركيا أحزاب ذات توجه ديني. ولم يتعرض أحد لهذه الأحزاب إلا عندما ظهر التشدد في بعض رموزها والمنتمين لها. فطالب بعضهم بتحويل (أيا صوفيا) من متحف إلى مسجد. وسعى بعضهم إلى أن تكون الإجازة يوم الجمعة، واعترض آخرون على التعليم العلماني الإلزامي، إلا أن الدولة العميقة لا تقبل أن يسيء أحد إلى نظامها كائناً من كان فتم إيقاف نشاط الأحزاب من المحكمة الدستورية.

ومع مرور الوقت وخشية حرق كل الأوراق وربما أيضاً للنضج الحركي قبلت الأحزاب الدينية في تركيا بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة وبمشاركة المرأة. وأعلنت صراحة أنها أحزاب ذات توجه إسلامي وتفضل السياسة العلمانية وتمارس السياسة وفقاً للنظام العلماني المتوارث من أبو الأتراك. كون النظام المدني العلماني حقق منجزات اقتصادية واجتماعية وثقافية لم تنجح كل القوى الإسلامية المتمسكة بالشعارات في تحقيق شيء منها لشعوبها. وإنما حازت المغانم رموزها وألحفوا البسطاء رداء الوهم.

لا أذهب مع من يقول إن الأحزاب الإسلامية في تركيا تمارس التقية الإسلامية. ولا أرجح أن من ولد وتربى على نظام مكين يحفظ هيبة الدولة ومكانتها يتخلى عن نظامه تحت أي ظرف. كما ولا يطعنه في الظهر تحججاً بالغيرة على الدين، ولا يدلّس على الناس، إلا أني لا أستبعد أن بعض رموز الإسلامي السياسي «من ربعنا» حولوا مبالغ كبيرة للاستثمار في تركيا. ودعموا اقتصادا علمانيا. مع أنهم في بلدانهم لا زالوا يرددون (الإسلام هو الحل).