في العام ١٩٤٥ وبينما كان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت في طريق عودته من مؤتمر مالطا اقترح على الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن أن يقابله على متن الطراد الأمريكي يو إس إس كوينسي إلى جانب إمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي والملك فاروق ملك مصر.

وبينما كان العالم في أقصى درجات الإنهاك وللتو وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها مخلفة عشرات الملايين من القتلى المدنيين والعسكريين، وقد خرجت الولايات المتحدة منتصرة وظهر الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى وانطلقت مرحلة الحرب الباردة.

لم يكن يدور في خلد تلك القوى أن الجزيرة العربية يمكن أن تكون منطقة مهمة أو مؤثرة بالنسبة للعالم، كان المهم هو تلك الممرات المائية على البحر الأحمر والخليج العربي وبحر العرب وأكثرها كانت قريبة من قوى وكيانات قائمة ومؤثرة في ذلك الوقت كمصر وإثيوبيا ووجود بريطاني قوي في باب المندب، وبالتالي فلم يكن ثمة أفق أو توقع لدى العالم أن ما بين تلك الممرات المائية المهمة يمكن أن تنشأ دولة في تلك الأوساط القبلية والبدوية وأن تحدث في العالم كل هذا الفرق.

بدأ الكيان الذي يتشكل يلفت انتباه القوى العظمى، وكان موقف المملكة من الحرب العالمية الثانية موقفا ذكيا حين فضل الحياد والتعاون مع أبرز القوى المؤثرة في المنطقة، وحاولت ألمانيا الهتلرية وبوساطة إيطالية إقامة علاقات مع السعودية وبدأت تستثمر تلك العلاقات في أنشطة معادية لبريطانيا وأمريكا قررت السعودية التوقف عن تلك العلاقة والإعلاء من شأن المصالح المشتركة كأساس للعلاقات والتحالفات. تفاصيل كثيرة شهدتها تلك الفترة وتابع العالم بكثير من الترقب تلك التوازنات التي أخذت تديرها المملكة. لم يكن الملك عبدالعزيز مع روزفلت هو اللقاء الأول بين الرياض وواشنطن، فقبل ذلك التاريخ بعامين زار ولي العهد الأمير سعود أمريكا وأمضى فيها شهرا كاملا وفِي ذات العام زار كل من الأمير فيصل والأمير خالد واشنطن والتقيا الرئيس الأمريكي وأعضاء من الشيوخ والكونجرس.

كان ذلك الزمن هو زمن تراجع الإمبراطوريات وبداية انتهاء حقب الاستعمار وتراجع النفوذ للقوى العظمى خارج حدودها في مقابل بروز الدولة الوطنية والاتحادات القوية ضمن حدودها وكان أسلم نموذج في تلك الفترة هو الولايات المتحدة التي بدأت تشكل ما يمكن تسميته بالعقيدة الوطنية الوحدوية مقابل الأيديولوجيا التي كانت تهيمن على اتحاد قوي آخر هو الاتحاد السوفييتي والتي أطاحت به بعد ذلك بخمسة عقود.

من هنا يمكن فهم التوجهات السياسية السعودية المبكرة؛ كانت ألمانيا في تلك الحقبة هي ألمانيا هتلر، والاتحاد السوفييتي اتحاد ستالين، بينما لم تكن أمريكا أمريكا روزفلت. ابتعدنا عن الكيانات التي تقوم على أبعاد أيديولوجية واخترنا الكيانات ذات التجارب الوطنية القائمة على التنوع والاختلاف، لسبب يسير هو أن ذلك كان ولا يزال مشروعنا الوطني في الداخل. لقد بحثنا عن النماذج التي تشبهنا وأقمنا معها تحالفات بوعي جديد ومستمر.

منذ ذلك التاريخ واصلت المملكة ترسيخ هذه القيمة ورأى فيها العالم الكيان الأهم في المنطقة، المنطقة التي شهدت خلال العقود الثلاثة الماضية أعتى التحديات وخرجت منها المملكة لا منتصرة فحسب بل قائدة ومؤثرة. تلك القيادة وذلك التاريخ كان دائما باتجاه النموذج الوطني منطلقا وهدفا، لا ميليشيات ولا تدخل ولا أطماع خارج الحدود وإنماء بناء مستمر للعلاقات وحفاظ على المصالح وركض دائم باتجاه حماية الأمن في المنطقة والسلم العام وتعزيز الوطنية كقيمة عليا تحدد مسار السياسات السعودية في التعامل مع مختلف الملفات.

للولايات المتحدة مصالح وأطماع ولنا مصالح وحسابات واسعة، ولنا في ذات الوقت تلك القيمة والمسؤولية العليا تجاه المنطقة والعالم العربي والإسلامي.

كانت حرب الخليج الأولى تحديا واسعا اتخذنا فيه دعم أمن المنطقة ومواجهة السلوك العدائي الجديد الذي بدأت تشهده المنطقة بعد قيام الثورة الإيرانية العام ١٩٧٩، وفي حرب الخليج الثانية وانطلاقا من تاريخنا الواضح للعالم استطعنا جمع القوى الكبرى لتشكيل تحالف لتحرير الكويت، وبينما هزت أحداث الحادي عشر من سبتمبر العام ٢٠٠١ العالم استوعبنا أن هذا النموذج الوطني الذي تحمله المملكة والذي أقامت به أبرز تحالف مع أبرز قوة دولية بات مستهدفا عبر صناعة هجمات تبدو سعودية الأيدي لتزرع توترا في تلك العلاقة سرعان ما انتبهت له القيادة في الرياض وواشنطن واستطعنا إعادة الحلفاء إلى وعينا الذي تأسس عليه التحالف وما لبث الإرهاب أن بدأ يستهدف المدن السعودية ليدرك العالم أنه خصمنا نحن بالدرجة الأولى، قدمت المملكة للعالم أبرز نموذج في مواجهة الإرهاب وربما أدركت واشنطن قبل غيرها ذلك واستمرت تلك الشراكة وذلك التحالف.

حتى القضية الأعقد في المنطقة وهي القضية الفلسطينية انطلقت المملكة في التعامل معها من الحرص على بناء السلم ودعم قيمة الدولة الوطنية وقدمنا للعالم في قمة بيروت العام ٢٠٠٣ مبادرة للسلام أصبحت مرجعية دولية بعد ذلك والتي رأى فيها الحلفاء مسؤولية حقيقية وموقفا واعيا قدمته المملكة تجاه أبرز ملف في المنطقة.

العام ٢٠٠٩ كان تحولا في السياسة الأمريكية، لأول مرة يصل إلى البيت الأبيض رئيس أمريكي لديه وفريقه حسابات تتجاوز المصالح إلى ما يمكن وصفه بأيديولوجياته ثقافية وحسابات لا تؤمن بالواقع ولا بالتاريخ وهو ما تسبب في أداء أمريكي كارثي في المنطقة انعكس على العلاقات بين الحليفين الأبرز وساهم في إذكاء كل هذه الصراعات التي تعيشها المنطقة.

لحظة إطفاء تلك الحرائق بدأت والمنطقة تستقبل واقعا جديدا يشرحه ذلك الاستقبال وتلك الصور لاستقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إنها نسخة أكثر حداثة من لقاء العام ١٩٤٥.