قدرنا في العصر الحديث أن نكون مستهلكي معطيات الحضارة لا منتجيها؛ فوسائل ما يسمى بالتواصل الاجتماعي (الفيسبوك، التويتر، الواتس،...) هي إنتاج غربي مئة بالمئة، وما أظن أن أحدنا يزعم أن الأجداد والأسلاف – رغم ما وصلوا إليه من تقدم في كثير من مجالات العلم – لهم دور في اكتشافها، ونحن بالطبع، لا دور لنا فيها.

أنا على يقين من أن مخترعي هذه الوسائل، إنما كان هدفهم هو التواصل حقا بين أفراد المجتمع؛ أقارب وأصدقاء وزملاء وأحباب وإخوة، ومعظم أهل الغرب إنما يستخدمونها لتحقيق هذه الأغراض، ولا بأس من أن يشهدوا منافع لهم من خلال توظيفها لإقامة روابط اقتصادية، وتوزيع منتجات أو الإعلان عنها.

أما نحن، فيا حسرة على العباد، حولناها – أعني هذه الوسائل – إلى وجهة أخرى مغايرة تماما لما جعلت من أجله، فبات الكثيرون منا – وبخاصة معشر الشباب – يستخدمونها للطعن في الأعراض، والغش والتدليس في المعاملات، والهمز واللمز في العلماء والقادة والزعماء، بل أصبحت هذه الآليات – الفيس والتويتر ونحوها – وسائل لقطع الأرحام، وتكدير الأمن العام، وخسارة الأصدقاء، وقل ما شئت من الموبقات التي جاءت نتيجة الاستخدام السيئ لهذه الوسائل، وربما كان من أبرز النتائج السلبية لسوء استخدام ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي هو عمليات «النصب والاحتيال والغش التجاري»، و«بيع الهواء» كما يقول البعض للسذج والبسطاء، وكذلك كل وجوه الغيبة والنميمة، وهاتان العمليتان تنالان من العلاقات بين الأفراد، وتشيع العداوة والبغضاء، وكم نحتاج إلى أسلمة استخدامنا لوسائل التواصل، وليت قومي يعلمون أن الله تعالى قد توعد بالويل – وهو الخزي والعذاب – لنوعين من البشر، جاء الترهيب منهما في بداية سورتين كريمتين من كتاب الله تعالى، خشية الوقوع فيهما، وهما المطففون (ويل للمطففين)، والهمزة اللمزة (ويل لكل همزة لمزة).

ووجه خطير آخر لسوء استخدام الكثيرين منا لهذه الوسائل يتمثل في نشر الأخبار وتبادلها، دون تمحيص وتدقيق، وبخاصة ما يتعلق منها بأمن الوطن وأوضاعه الاقتصادية والسياسية. قد يفعل البعض ذلك، «ويشير» ما يصله من أخبار، دون التبين والتثبت، مما يحدث بلبلة بين الناس، ويعكر أمن المجتمعات، ولو تمت أسلمة هذا الاستخدام، واستجبنا لأمر الله تعالى في قوله: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) لكفانا ذلك شرورا كثيرة، وقد قرأت بنفسي كثيرا من التعليقات المنشورة عبر هذه الوسائل، ووصل الأمر إلى إثارة الفتن بين الدول والشعوب.

مطلوب «أسلمة» الكلمة، سواء أكانت منطوقة فيما بيننا أو مقروءة في صحفنا أو «الفيس وأخواته»، أو مسموعة في وسائل إعلامنا، وذلك بالامتثال إلى القواعد العامة التي سنها لنا الدين الحنيف.

أن نستخدم منتجات «الكفار» كما يقول البعض، لا بأس فيه، لكن البأس كل البأس أن يكون هذا الاستخدام على هذا النحو من السوء، فنلحق الضرر بأنفسنا وبالأقربين وبأوطاننا، فتباً «لفيس أو تويتر أو واتس» يكون سببا في نهش الأعراض، وزعزعة الأوطان، والنصب والاحتيال.

Dr.rasheed17@gmail.com