يعدّها: علي مكي
ali_makki2@

هو رجلٌ مخيف بتلفته وقلقه وكلماته التي (يرجم) بها الآخرين بلهجته الجيزانية الصرفة التي تخرج من فمه كلمات (حانية) مرة، وأخرى ساخرة، ومرات كثيرة تكون قاتلة بحجم مستقرها من العذاب والألم الطويل. إنه «يحيى امقاسم» صاحب الرواية الشهيرة «ساق الغراب: الهربة» وهو العمل الفريد الذي أصدره قبل سبع سنوات ولاقى أصداء واسعة لدى أهم النقاد العرب الذين تناولوه بالعرض والتحليل. التقيناه في «عكاظ» قبل يومين من تدشين كتابه الجديد أو روايته الثانية «رجل الشتاء»، بل وفي يوم يصدف مع يوم ميلاده قبل سنوات كثيرة، وحاورناه عن قضايا عديدة تتعلق بعمله الدبلوماسي السابق وروايتيه الأولى والأخيرة، وعن واقع العمل الخارجي ووزارة التعليم العالي ـ سابقا ـ ووزيرها خالد العنقري، وعن قصة لقائه بالراحل غازي القصيبي وكتابته عن الأموات دائما أو المترجلين من مناصب الدولة، وعن رؤيته أيضا للعمل الدبلوماسي السعودي في الخارج، وعزلته الثقافية وغيابه عن المهرجانات والمؤتمرات والملتقيات الأدبية، وغير ذلك من القضايا، فماذا قال يحيى امقاسم عن كل هذا؟.. هنا نص الحوار:

• من إصداراتك كتاب قصصي هو «المخش» باسم (يحيى سبعي) لكنك ظهرت بعد ذلك برواية «ساق الغراب» باسم (يحيى امقاسم).. لماذا ألغيت الاسم الأول؟ أهو عدم اعتراف أو عدم رضا أو محو للتجربة الأولى؟ أم ثمة أسباب ثقافية وراء هذا التحول في الاسم؟

•• تبدأ بهذا السؤال الذي أقض الكثير بي، وفي كل مرة أوضح لمن يسأل بشكل شخصي.. كل ما هنالك أنني بدأت كتابة أول عمل لي ـ مجموعة قصصية ـ تحت وطأة أيّ بداية. جموح التجريب، وشرارة المحاولة، وسطوة الأصدقاء على بذرة ما بي وأنني قادر. كنت معززا بلغة الشعر عند السيّاب ومحاط بفكرة القرية (جيكور) الرمز، فلم تخرج هذه المجموعة من حيز الحنين والخطاب إلى أم وجنوب منذ تركتهما لدراسة القانون في جامعة الملك سعود في الرياض.. عندها اسمي الرسمي يحيى سبعي، بينما الاسم الذي في القرية منذ عرفت الإجابة على أي نداء، هو (يحيى قاسم) ومن كل لسان في قريتي (الحسيني). لم أسمع يوما وحتى هذه اللحظة أحدا في القرية يناديني بيحيى سبعي. المدينة تفرض عليك اسم مكانك الأول وهو (جيزاني) أو اسم القبيلة إن كنت من طبيعة المجاميع التي تتحرك باسمها كقبائل كبرى عبر الممتد أمامها، كعتيبة مثلا وتحركها من جبال الطائف وحتى النفوذ، لذلك يتحرك اسم القبيلة وتجده في كل مكان. نحن عندما نأتي من أقصى جنوب غرب السعودية، فنحن نأتي فرادى وهذا ما يدفعك للتشبث باسم القبيلة وترفض أن تتماهى مع اسم مكانك ـ منطقتك أو ناحيتك ـ لأنّ في ذلك محوا لأحد أدوات إثباتك، لذلك (يحيى قاسم) في حينها لم يكن صالحا لمدينة كبيرة كالرياض تتطلب انتماء محددا لتجد حضورك.. ولم أكن على إدراك حينها بتأسيس اسم كاتب، بقدر ما هي رعشة التجربة ونشوة أن يكون لك الإصدار الذي يضم حنينك وشجنك إلى أم وجنوب. كان الوفاء لأدق ما فيك هو المحرك الأول وما تملك من اسم. أما (يحيى امقاسم) فهو أهم اسم وأقرب اسم، من نياط القلب، فعندما انتهت المجموعة القصصية كإصدار، كانت الخطوة التالية في صمت. كل ذلك البكاء لا بد أن له نبعا جبّارا يفوق صورة القرية بين عامي 1980 - 2000، بل هناك حشد من العوالم والأساطير والحكايات والشخوص والأحداث والذاكرة العظيمة والطين الأول والبيت الغض والأسماء المجيدة للإنسان والشجر، وأصوات عالية للجبال والأودية تتشبث بي كما لو أنني مشيمتها. من كل هذا الإرث المهول يتقدم اسم (يحيى امقاسم) الذي يعيدني لصوت جدّي شيخ القبيلة (على منور هبّاش) وهو يناديني بهذا الاسم منذ طفولتي وطفولة الصور لشخصه وأقرانه الكبار وتاريخهم. فعندما ولد داخلي مشروع التمسك بتلك الذاكرة كان لزاما عليّ أن أتمسك بداية بهذا الاسم الذي يأتي من صميم التراب ومن دماثة الإخلاص لذلك الزمن. بحق.. لم يكن يوما هذا الاسم بديلا أو تنكرا لمرحلة ما؛ بل هو بوصلة لمشروعي الدائم والمستمر (ساق الغراب) أو ذاكرة جبال السروات من «بني مالك» جنوب الطائف وحتى جبال العبادل والحشر والريث والعارضة ونجران، ولم تكن (المخش) إلاّ إرهاصات من الحصى لتشييد تلك الجبال من جديد وتبعث من أزمنة بعيدة ذاكرتها. كلّ شخوص «المخش» هي اليوم شخوص «ساق الغراب» فالأم في «عائد للوطن الصغير» هي الأم «صادقية» في رواية «ساق الغرب.. الهربة»، و«عُصَيْرَة» عاصمة «وادي الحسيني» في الرواية هي القرية التي تبكي المطر في «المخش»، و«أحدب يبحث عن مكان ما» هو البطل الخرافي «بشيبش» في نهم المدينة أمام قرية تموت له في البعيد.. والكثير يقال هنا.

• لماذا أنت غائب أو منعزل عن الساحة الثقافية حيث لا تحضر في فعالياتها ولا تشارك في ملتقياتها ومؤتمراتها ومناسباتها المختلفة.. هل تتعمد هذا الغياب وهذه العزلة؟ هل تريد أن تتأسى بتجارب أسماء كبيرة رحلت بشموخ مثل نجيب محفوظ؟

•• قل لي أنت ماذا يستحق في الساحة لأكونه.. بداية أنا شخص حكّاي، والحكّاي لا يجيد إدارة حديث تحتاجه الساحات الثقافية، وهناك من لديهم القدرة الكبيرة على هذا الادّعاء المميز. كما أنني ألحن في اللغة العربية عندما أتحدث، وهذا يمض روحي بحرج لا طاقة لي به، بينما أنا أجيد بقدر مقبول لهجتي (الجيزانية) ولن يفهم عليّ أحد لو نهلت منها لدفع أي مناسبة ثقافية لهدفها. وهناك عيب يصاحبني وهو رهبة المجموع، فشخصي بحق ليس صالحا لأي مواجهة جماهيرية، بينما لدي القدرة للحديث من الكتب المؤسسة لثقافة البشر وإرثهم وحتى أهزل كتاب في المشهد، ولكن شريطة أن يكون لأصدقاء خاصين. ربما هذا يعود للخوف من تبني أي رأي صارم، فالفن في ذاته لديه قابلية أبدية للتنصل من كل شرط معرفي يحدد فضاءه أو يسور حركته، ولقد وجدت كل الفعاليات الثقافية تعمل على أن تنهض بنص أو لتخذله، وهذا ينافس إيماني بحق كل النص للحياة، أما الموت والنسيان فسيلحقه حتماً طالما هو لا يستحق، وهذا ليس دوري لأداوم في أماسي ثقافية منظرا. هذا أحاول أن أعيشه مع كل كتابة تصدر مني، فلا يمكن أن أقف يوما للدفاع عن عمل لي؛ لأن أيّ نص يخرج مني عليه أن يكون ملتزما بكل قيمة يقدمها، سواء كانت قيمة عليا أو رخيصة، وعليه أن يكون قادرا على الدفاع عن نفسه، لذلك أسمي أعمالي بـ«المسكينة» لأنها تقف في حشود الإصدارات وحيدة. ألمس حراكا مهولا في قنوات الإعلام الحديث لكثير من الإصدارات وأنا أتشبث بالعزلة من تلك الوسائط أو أزورها أحيانا باسم مستعار لأنني أجد متعة في الكتابة عبرها خاليا من اسمي الحقيقي. أعود وأقول أن تدافع عن كتابة لك فهو أن تقر بضعفها وأنها تحتاج عونك. لتذهب إلى الحريق.. عليك أن تذهب إلى مشروعك التالي أو أكمل امتداده وهذا ما أفعله اليوم مع «ساق الغراب». ويكشف لك هذا ما يبرر جبني في مواصلة الكتابة كما يظهر هذا من تأخري في الإصدار. لدي قلق مزمن في أن تكون أو لا تكون عند كل كتابة، لذلك عندما أقرر النشر أكون قررت أن أترك جذعا كاملا مني في الريح.

• لم تكتب عملا بعد ساق الغراب أي لم نر لك إصدارا بعد هذه الرواية.. هل تخشى ألا تنجز شيئا يتجاوزها فنا وموضوعا؟ وما قصة العمل الجديد الذي يتداول بعض المثقفين والمتبعين سماعه وأنه يحمل اعترافات وسرد خيبات مريرة؟

••الخيبات هي السيرة الأنصع لأي كاتب، والمجد لمن يتقن تمجيد تلك الخيبات أو الانكسارات، ولم يعد لي من التحفظ في شيء، فالعمل الصادر للتو وهو (الهزيل) يوجد حاليا بمعرض الرياض الدولي للكتاب، بنشر مشترك بين طوى (لندن) والتنوير (تونس ـ لبنان ـ القاهرة). ما يرعبني في النشر المسؤولية، فكيف لك أن تحقق لعملك القوة ليدافع عن نفسه ويبين تجريبك في الإصدار التالي.. هذا أتركه للقارئ.

•من ضمن التعريف بك في موقع ويكيبيديا على الإنترنت أنك دبلوماسي.. حدثنا عن عملك الدبلوماسي في فرنسا عندما كنت مشرفا ثقافيا في الملحقية الثقافية السعودية؟ هل استفدت من المكان وثقافاته المتنوعة؟ كيف تقيم تجربتك هناك؟

•• «أيام كثيرة وصغيرة».. هذا هو العنوان الفرعي لقراءة تلك المرحلة بحسب رواية «رجل الشتاء»، هذا القلب يشي بعشق تلك التجربة، ليس لأنّها شهدت لقاء كبيرا بفتاة فرنسية من النخبة وتجيب كل الأسئلة حولها الرواية ذاتها، وليس لأنّ المدينة المقر هي باريس تحديدا، ولكن لأنّها كانت نقلة كبرى في العمل الثقافي الناجح لأنّ هناك إيمانا كبيرا بين مجموعة العمل ويدعمه حينها معالي السفير ـ حاليا ـ معالي الوزير ـ سابقا ـ الدكتور خالد بن محمد العنقري. هذا الرجل قدم لتلك المرحلة نهجا جديدا في العمل. ترك لكل ملحق ثقافي المساحة الكافية للإنتاج، وهذا ما يظهره التفاوت في النتيجة، فبقراءة ما أخرجته الملحقيات الثقافية حينها سيظهر المؤشر الكثير من النتاح الأدبي والثقافي لعدد من الملحقيات، بينما بعضها لم تحرك ساكنا، بل هناك من منع أو أوقف أنشطة ثقافية معروفة.. هذا يعود لجهد وقناعة الملحق الثقافي بدور الثقافة في الحراك الفعلي داخل الدولة المضيفة. بالنسبة لي التجربة كانت ثرية ولا مثيل لها، خاصة مع فريق يقوده رجل يعد علامة بارزة في تعلم اللغة الفرنسية وهو أستاذها في جامعة الملك عبدالعزيز الدكتور عبدالله الخطيب، هذا وكان العمل في «مدينة العالم» في باريس التي تضاعف عليك الواجب واللازم تجاه دورها الكبير في ثقافة الشعوب واحتضانها لإرث البشرية.. ولا أجدني أكثر من ممتن لتلك السنوات التي أعطى فيها خالد العنقري الكثير، فأين هي تلك السنوات الآن؟!.

•صف لنا مقابلتك للراحل الكبير غازي القصيبي في فرنسا؟ ماذا دار بينكما؟ وما هي قصّة اليونسكو والانتخابات؟

•• كان سخيا في الوقت والوضوح. هذا الرجل الذي تمكن من كلّ هذه التجربة الوطنية.. هناك موقف شخصي معه ليس محل كشف بلقاء ولكنه لحديث محب. يمكن القول إنني بمرارة كل الفقد كتبت عنه في يوم ترجله تحديدا «... واحد ووحيد في سدّة الزمن. حين تنظر إلى الخسارات القادمة وتمحص قدرات توقعاتك بتمعن فتتكشف أنّها مهما بلغت لا تعنيك ولن تقدم على المستوى الشخصي أي منعطف جديد أو حتى ملمس يشهد لك بتسجيل تجربة أخرى إمّا مع الفقد أو أي مقتل آخر؛ كأنّما الحياة استقالت عن مزاولتك تماما، فذلك مصابك الفريد والخاطف، هو المؤلم بحق؛ إذ هناك تماما تشعر بأنّ ما تبقى من الحياة لا جدوى منه!.. هذا ما استقر فزعا بي وعميقا حينما غادرنا بمودة المصطفين والنبلاء علم الوطن والحبر غازي القصيبي.. هناك تماما كان المصاب فتقُ وطنٍ كامل: إنّه عزوف الحياة عن أدورانا المقبلة».

رجل يرحل في السبعين وبحجمه كأنّما يُولد أول مرّة، فحدث رحيله نهضة أخرى قوامها كما يتناهى لنا من باطن الرجاء استشراف سبعين عاما من المستقبل لبعث شخص عالٍ من جديد، فقد عشنا الحيّ والنابض والآن نتحول إلى مرحلة الماثل والمتحرك بغياب لا يقل سطوة عن الوجود والفعل.. هذا سرّه الجليل رجلنا الذهبي. حينما التقيته التقته همومي على البلاد، فكنت أسأل عن حال التعليم، والمواطن، فكان يكشف كل شيء بوضوح قلبه ونصاعة عينيه، فلم يتوقف عن قول أيّ هم وطني، وحتى عن الملك عبدالله عندما أخبرني أن هاجسه لا يتوقف عن التفكير بحال التعليم تحديدا. في جانب خاص وعميق لروحي دفعني إلى الكتابة بعدما قرأ تجربة «ساق الغراب.. الهرْبَة» ورأى فيها أفقا كبيرا. في اللقاء ربت على كتفي «لا تخف..»، وذهب.. هذه أهم كلمة قيلت لي بعد أن مات أبي، ومات هو!.. الحائط الوحيد في هذا القفر الطويل لم يعد هناك.. أوجعتني يا عزيزي. لنتوقف هنا.

أما عن تجربته في اليونسكو وخوض غمار انتخاباتها فقد أكد هو، قبل رحيله، في محفل كبير، بأنّ الخسارة أو الهزيمة لن يلقيها على الآخرين، كما يفعل معظم العرب عادة، بل أقر أنه سبب الهزيمة ويتحملها، وأنّه قد «فاز في الانتخابات الأجدر بالفوز، وهو الأقوى»، ودعا في حديثه حول اليونسكو إلى تحمل أخطائنا وعلينا أن نعرف جيدا دروس الفشل، وأول عمل هو الاعتراف بالهزائم وقد تبنى تلك الهزيمة مع تطرقه لأسبابها الموضوعية؛ وموضحا أهمية العودة إلى العوامل التي جعلت من المنتصر في الانتخابات منتصرا.

•كيف كانت تجربة عملك في بيروت؟ لماذا لم يطل مكوثك في التجربتين الفرنسية واللبنانية؟

•• هذا مزاج الوظيفة الحكومية أيّاً يكن مكان عملك الخارجي والغفير بروح التحدي وفرص النجاح وفتح نوافذ كثيرة باسم البلاد.. فهناك سنوات محددة للعمل بحكم النظام، وبرغم محدوديتها إلاّ أنها كانت علامة فارقة في تجربتي على المستوى الشخصي. ما أكرره دوما هو افتقار العمل الثقافي للعمل المؤسسي وهذا يعود لذهنية العمل الحكومي وتجفيفه من أي مخصصات مالية للعمل الثقافي خارجيا. وحتى هذه اللحظة الشأن الثقافي متذبذب وغير صالح لأي مردود إيجابي وواضح في الخارج. لا يوجد طابع محدد أو مسجل للحركة الثقافية الداخلية ويمكن الإشارة إليها في الخارج، وحتى على مستوى معارض الكتاب من المخزي أن نلتفت لشواهد كثيرة ولا نتوقف عندها ولا نحاكمها ولا نتساءل لماذا.. يا سيدي المثقف الجاد والملتزم مُصادر تماما من إعمال الأثر والحراك في الخارج. ليس هناك إيمان جاد بدوره. ما يثير التحفظ أن هناك دولا تناصبنا العداء وتتسيد المشهد وتمثيلها الخارجي يتجاوز كل قدراتنا الحالية ويفوق جميع أعمالنا التي تدعي الفعل والأثر الثقافي الخارجي.

•كنت صحفيا ثقافيا في صحيفة الحياة لكنك توقفت.. لماذا؟ هل هي قناعة بعدم جدوى الصحف أو الصحافة الثقافية تحديدا في هذه المرحلة بالذات؟

•• أنت تعود بي لتجربة فذة في صحيفة الحياة، ولرصّ إجابتي بشكر كبير لزميل وصديق حرك راكدا محليا بمذاق دولي. لقد كانت التجربة حافلة بحماس كبير عندما التحقت بصحيفة الحياة في مشروعها المحلي بالتوأمة مع نسختها اللندنية فصارت «الحياة كتبت لك من جديد».. أتذكر هذا في 2005 بالرياض، عندما قاد فريق العمل الأستاذ جميل الذيابي. قد لا أمتدح تلك السنوات الغفيرة في «الحياة» والعمل في صفحتها «آداب وفنون» وملحقها الأسبوعي «آفاق» بإشراف الروائي العزيز أحمد زين، فأيّ مديح الآن سيكون تملقا لرئيس تحرير حاليا (وأنا لا أحب رؤساء التحرير). دعني ألقي التحية على تلك التجربة التي كانت فاعلة وجعلت في المشهد شيئا جديدا لما تعنيه صحيفة الحياة تحديدا بالنسبة للنخبة من مجد السبعينات وبعدها. ثم أنني لم أكن يوما صحفيا بالمعنى الجاف للكلمة، فالصحفي يمتهن الركض والقنص بينما أنا مشحون بالقراءة وانتخاب الفائق من الإبداع وهذا لا يحتاج ركضا وقنصا ولم أجد نفسي يوما في مهنة الصحافة حيث كانت «الحياة» منبرا نخبويا لم نفكر في أي لحظة أنها صحيفة تنشط بالمحلي واليومي والشارع.. أكرر امتناني لذلك الرجل الذي عقد العزم على نجاح مدته 10 سنوات تقريبا وخرج في الوقت الذي أراده لنفسه، فخرج معه الكثير من هناك.

•السفير عبدالله المعلمي مندوب المملكة الدائم لدى الأمم المتحدة قال إنّ «مستوى الكفاءة الفردية لدى الدبلوماسي السعودي على مختلف المستويات مازال محدودا، وأنه من غير المقبول ألا يكون لدينا زخم في القدرات الدبلوماسية الفاعلة».«كدبلوماسي سعودي سابق كيف ترى كلامه؟ ومن خلال أكثر من تجربة خضتها كيف يمكن تطوير الدبلوماسية السعودية؟

•• هذا حديث من رجل ضليع بالوسط الدبلوماسي. لكن عودا للبنية في هذا المجال تحديدا؛ فمن المؤسف أن العمل الخارجي يواجه ذات المعضلات التي تواجهها أي دائرة حكومية محلية. الذهنية ذاتها التي تعطل التطوير وتناهض العمل الحديث. هناك من يلزم وزارة الخارجية بالأنظمة ذاتها غير المجدية في عملها، فلا يُمكن التفريق بين موظف دبلوماسي يعمل في طوكيو وبين موظف أرشيف الأحوال المدينة في محافظة ما. الجميع يؤدي خدمة حكومية، ولكن هناك فرقا شاسعا بين عمل داخلي وبين تمثيل خارجي. السفير أحيانا لا يخلو من خلق الموظف ولا يستطيع أن يفعل شيئا، وقد يأتي سفير قادر على كل شيء لأن قدراته تمتد حتى المؤسسات التي تقف متعنتة عند متطلبات التمثيل الدبلوماسي. في هذا يطول الحديث.

•دائما أنتم المثقفون تنتقدون نسيان الرموز الأدبية وأن لا أحد يتذكرها أو ينصفها إلا بعد الموت.. أنت أيضا لم تكتب عن الأمير سعود الفيصل وعن تجربته الدبلوماسية السعودية إلا بعد رحيله رحمه الله، أستاذ يحيى لماذا لا تفعلون ما تقولون؟

•• أبدا.. لاحظ أن هذا الـ «أبداً» تأتي للنفي. أن يبقى شخص في مشوار تجربتك هذا مدعاة للطمأنينة، وهذا في جانب يجهض الشغف، لكن في جانب أنا في غنى عن تعكير الصفو بوجود ذلك الرمز، فليس باستطاعتي الاحتفال بمنجزه لأنني أناني عندها لدرجة التشبث بكل لحظة في عمره ليزيد الركض. فالكتابة عنه وهو على قيد الحياة لن يعني أبعد من التملق أو أنك واحد من طابور طويل يقول قصيدة هزيلة، بينما بعد رحيله أو ترجله من المنصب فذلك أدعى لقول ما ينضح به القلب.. الآن ماذا يدفعني للكتابة مثلا عن الدكتور خالد العنقري. ما يفوق عن 20 سنة وهو وزير لمرجع عملي (وزارة التعليم العالي سابقا) منها خدمتي تقارب 15 سنة، لم أقل كلمة واحدة في مسيرة الرجل.. كنت أتجنب أن يختلط أكل عيشي (الوظيفة) بلون التقرب من صاحب القرار، لذلك آثرت أن أكتب عنه بعد ترجله من وزارة تصرف في مفاصل سنواتها وتجربتها كما تتطلب منه المراحل وعليك أن تفتش عن تلك المرحلة بين ملكين وتنظر للرجل (الوزير) كيف يوافق بين الفترتين وكيف قرأ وإلى ماذا انتهى.. أقول هذا لأؤكد جدية ما ذهبت إليه في كتابة عن أي شخصية ذات منصب اليوم وفي الغد ماذا هو؟.. يا سيدي عليك أن تسألني عندما أكون في السن المعتدّ بقول شيء دون خوف من منغصات (العمل الحكومي)، دون إغفال أنّ المناصب تحتكم لمزاج الوظيفة الحكومية ذات الاشتراطات غير الواضحة. أما عن سعود الفيصل، فهذا حزن وطني بامتياز، ويكفي أنّه ترك أثرا بالغا في السلوك وفي التعاطي مع القضايا الكبرى وإن كانت في السياسة.. ترك إرثا من مصطلحات الدبلوماسية السعودية الواضحة.. ماذا يعني أن تكتب عن شخص كهذا يرحل؟!.. أنت تؤصل أيقونته داخلك وتسجل موقفك من الالتزام تجاهه.. أسألك أنت: ماذا يمكن أن تقدم لسعود الفيصل وهو يسافر في كل سماوات العالم؟!.. ما الذي ستضيفه لسيرة هذا الرجل وهو المشغول ببلاده على كل اتجاه؟!.. عندما نكتب عن شخص يفارقنا فنحن نثبت أننا قادرون على الوفاء له ما حيينا.