«إن السينما هي ملتقى المتسكعين والمنحرفين، ومجمع لكل رذيلة وقبيحة، والمسلم الصادق يربأ بنفسه أن يلقى به في بحور الهلاك، ومواقع الشبهات، ومواطن الفساد.. ففي هذه الدور تعرض الأفلام في أجواء غامضة مشبوهة، حيث يعم الظلام القاعة بكاملها، وهي الفرصة التي ينتهزها المراهقون والمراهقات لإشباع غرائزهم، وتفجير كوامنهم الجنسية، خلسة عن ذويهم.. ويكثف من ظلام القاعات الضباب الكثيف المتكون من دخان السجائر، وحشيش المخدرات (!!) المحلق في فضائها مشكلاً غطاء سميكاً يتستر به كل قاصد لجريمة منعته دونها واضحة النهار، وملاحقة الآخرين».

كان هذا جزءا مقتطعا من تعليق للباحث السلفي المغربي مادون رشيد في أطروحة علمية مقدمة لنيل الدكتوراه بعنوان (قضايا اللهو والترفيه بين الحاجة النفسية والضوابط الشرعية) وصدرت في كتاب نشرته دار طيبة للتوزيع بالرياض. مسائل الترفيه واللهو كانت وما زالت حاضرة في الخطاب الإسلامي بكثرة، الشكل الأبرز كان يأتي بصيغة التوجيهات والنصائح التحذيرية من كل المستجدات التي تطرأ في صناعة الترفيه والتسلية، واعتبارها مداخل تستهدف زعزعة عقيدة المسلمين، أو إلهاءهم عن واجباتهم الدينية، تجلى ذلك في مطويات وكتيبات التحذير كـ(خطر البث المباشر)، و(الإجهاز على التلفاز)، وتحريم لعب البلوت والشطرنج، ومؤامرة كرة القدم، وغيرها من موجات التحذير التي تستهدف المنتجات الحديثة في إطار الترفيه والتسلية والفنون والإعلام.

صاحب كتاب (قضايا اللهو والترفيه) أفرد في فصول متعددة لمناقشات فقهية لا تخلو من نصائح وتحذيرات «وعظية» لاستعراض الأحكام الشرعية فيما يخص صور الترفيه القديم والمعاصر، من حكم (لعب النرد، والشطرنج، حل الألغاز، ولعب أوراق الكارتا والكوتشينة، ومشاهدة التلفزيون، وحبس الأطيار في الأقفاص، وزيارة حدائق الحيوان، واللعب بالحمام، وألعاب السيرك، وكرة القدم والبلياردو..) وغيرها، وحكم أغلب هذه الألعاب في المجمل إما التحريم أو الكراهة، باعتبارها مضيعة للوقت أو تبعية الغرب، أو تشيع الانحلال والفساد، أو في أضيق الأحوال فهي لا تقوي الجسم ولا تفيد في «الإعداد للجهاد».

هذه النظرة تجاه أدوات الترفيه تكاد تكون مشتركة في تناول الخطاب الإسلامي لها، ففي رسالة صغيرة كتبها الداعية محمد المنجد بعنوان (صناعة الترفيه) ونشرت عام 2009، ذكر فيها أن ما تقدمه «أدوات التسلية والترفيه من مسرحيات ومسلسلات وأفلام وأغانٍ ومباريات، تشكل قسطا كبيرا من الدعوة للانحلال الخلقي من جهة، والمسخ الفكري العقائدي من جهة أخرى، وتدمير عقيدة الولاء والبراء عبر هذه الألعاب الترفيهية.. فقد استطاع الغرب أن يكسب معركة الغزو الفكري، ويصدر لنا الشر بعد تزويقه وتجميله ليحصل على أموالنا التي ندفعها لهم بمحض إرادتنا». بالعودة إلى موضوع السينما وموقف الإسلاميين منها فإنها في الغالب تصور باعتبارها من أهم أبواب المفاسد والانحلال، يشير الإسلامي السوري عبدالله ناصح علوان في كتاب له (حكم الإسلام في الإعلام) إلى أن «المتأمل لأوضاع السينما في العالم العربي بشكل عام يجد أن الفيلم لا بد أن يتخلله عرض لمناظر فاسدة، ومشاهد مائعة ماجنة، حتى إن السينما اليوم أصبحت هدفا للتحلل ومرتعا للمجون والإباحية، بل صارت التجارة بالأعراض والجنس باباً للرزق». أما يوسف القرضاوي فاتخذ موقفا حاول أن يكون فيه «وسطياً» بالنسبة لزملائه الإسلاميين فوصفها بأنها «حلال طيب»، لكنه أضاف حولها الكثير من الضوابط والقيود حتى ترتقي إلى مرتبة الحلال، متفقا بذلك مع نفس موقف من يرى حرمتها بواقعها الحالي، يقول في كتابه (الحلال والحرام في الإسلام): «أولاً يجب أن تنزه موضوعات أفلام السينما من المجون والفسق، وكل ما ينافي الإسلام، فأما الروايات التي تثير الغرائز أو تحرض على الإثم أو تغري بالجريمة، أو تروج لعقائد باطلة فلا يحل لمسلم أن يشاهدها. ثانياً يجب ألا تشغل عن واجب ديني أو دنيوي، في طليعة ذلك الصلوات الخمس، فلا يجوز للمسلم أن يضيع صلاة مكتوبة؛ كصلاة المغرب، من أجل فيلم يشاهده. ثالثاً: أن يتجنب مرتادها «الملاصقة» والاختلاط بين الرجال والنساء الأجنبيات منعاً للفتنة ودرءا للشبهة ولا سيما أن المشاهدة لا تتم إلا تحت ستار الظلام». لكن هذه القيود ليست كافية من وجهة نظر عبدالله ناصح علوان، فإن ارتياد السينما يعتبر محرماً ما دام يشوبها أي منكر مثل «سماع آلات المعازف والموسيقى، ووجود الاختلاط بين الرجال والنساء، وإظهار اللقطات الجاهلية من رقص فاجر وغناء خليع، فلا يجوز ارتياد هذه الصالات مهما كان الفيلم سليما أو ذا غاية توجيهية موضوعية». مثل هذه القيود دفعت بأحد المعلقين إلى القول بأنه «لا يوجد إذن أدنى اختلاف ولا أدنى صعوبة في الجزم بحرمة ارتياد السينما، فالواقع يؤكد أنه يستحيل أن تتوفر مثل هذه الشروط والقيود في صالات السينما حتى يمكن أن يقال بأن ارتيادها مباح!». فمثل هذه الشروط والقيود تعني أن صناعة السينما العربية والشرقية والغربية اليوم بمجملها تعتبر من أبواب الفجور والفساد وفقا للموقف الإسلامي.

بل حتى صناعة البديل المحافظ و«الإسلامي» هو محل شك وريبة، وقد يكون مدخلا هو الآخر للتجاوزات والخلل، كما يرى ذلك محمد المنجد في كتابه (صناعة الترفيه)، حيث يقول: «المراقب لحال كثير من البدائل الإسلامية في الترفيه يجد أنها قد وقعت في تجاوزات كثيرة، ووقعت في مآخذ شرعية نظرا لبعدها عن رقابة العلماء الشرعيين الربانيين.. فاليوم حتى ما يسمى بـ(القنوات الإسلامية) و(الأفلام الإسلامية) وقعت في أخطاء كثيرة نظرا للمنافسة في سوق الترفيه، فأصبحنا نجد تمييع معاني الدين، وانتشار التلوثات العقدية، وتعظيما لأهل الكفر والنفاق، ورخاوة قيم الولاء والبراء، مما ينبغي أن يتداركوه حتى تبقى برامجهم ملتزمة بأسس الإسلام وثوابته.. وسبب كل هذا الخلل يعود إلى محاولة محاكاة مؤسسات الترفيه العالمية، فالبديل الإسلامي في مجال الترفيه مهما بلغ لا يمكن أن يوازي أو ينافس الوسائل الترفيهية المحرمة».