فتحت التقنية وأيقظ التقدم البشري بصائرنا على أهمية الكتاب، واقتنع الشعب عامة بقداسة القراءة ودورها في ترسيخ القيم وبث الوعي، والارتقاء بمفهوم المواطنة، وإعلاء شأن الحقوق والواجبات وإرساء دعائم مؤسسات المجتمع المدني. وربما تغيرت نظرة معظمنا إلى الكون والعالم والعقائد والقيم بفضل ما نقرأ؛ إذ لم نعد حديين في طرحنا، وتنامت نزعة الأنسنة نوعاً ما، وانفتحنا على مظان الجمال نسبياً، وانتشلتنا القرارات الحكيمة من سبات غططنا فيه طيلة ثلاثة عقود؛ خصوصاً أن معارض كتب الصحوة لم يكن لديها في قائمة العرض ما يذكي الجانب الحيوي والإنساني، ولم تكن الرقابة رحيمة ولا متسامحة إلا مع ما يوافق المنهج الصحوي من كتب تراثية تقليدية تعزز ثقافة الموت في وجه كل معطيات الحياة.

تعليمنا العام والعالي لم يستزرع فينا نواة حب المعرفة، وكان تكويننا التربوي ناقصاً حتى تفضل الله علينا بالتفكير في إقامة معارض للكتاب، وتحققت في بلادنا مواسم نوعية إضافية في الرياض وجدة، إلا أن نجاح المعارض يحتاج إلى إيمان بقيمة الحياة ومكانة الوطن ورفع اليد التسلطية على منع أو حجب أي كتاب يقدم معرفة طالما أنه خال من الأدلجة.

ونحن في مثل هذه المعارض نختار من الكتب ما نشاء، ونقرأ ما نشاء شعراً وسرداً ونقداً وفلسفة، وأزعم أن القراءة لن تخرّب أخلاقنا ولن تُنقص وطنيتنا ولن تُضعف انتماءنا لديننا ووطننا، فكل هذه التهويمات كانت من شعارات حقبة سادت وبادت ولن تعود مهما تعلّق بأذنابها، أو تمسّح بما تقوّض من أركانها بعضُ الصحويين والمنتفعين من المتاجرين بالشعارات؛ وإن تناقلوا عبر هواتفهم «يوتيوبات» توهم بالإشادة بالصحوة من زعماء ورؤساء لم يكونوا ليشيدوا بمؤامرة على الوطن.

ولو سأل سائلٌ سؤالاً منطقياً (لماذا نقرأ) فماذا ستكون إجاباتنا؟ وأضيف إليه سؤالاً ثانيا (كم عدد القراء الفعليين في بلادنا)، وثالثاً (ما أثر القراءة علينا وعياً وسلوكاً وأخلاقاً وتديناً). إذا كانت بعض دول العالم مرت بعصور الظلام، ثم عصر الأنوار، ثم بلغت بالعلم مبلغاً خلاقاً، فإننا على أمل أن نحذو حذوهم في الخروج من بؤر التخلف، علماً أنه ليس بالقراءة وحدها يحيا الإنسان.