بالرغم من أن معرض الكتاب يعبر عن واجهة ثقافية مشرقة بما يحويه من الانطلاقات الجميلة لمساحات الفكر، إلا أنه بالفعل مستهدف لإثارة الظواهر المفسدة والمتصاعدة في أشكال الوصاية التي يمارسها بعض المحتسبين في توجيه المفهوم الشعبي للانطواء في ظلمتهم ومنعهم من البحث في بحور المعرفة.

يظن الواعظ أنه ينظم سلوك المجتمع وينتهك عاطفته بالمنع والتقييد حتى يبقي رأيه الأرجح والأصلح، يجد الحرية المطلقة بإملاء ما يريد قوله في منبره ودرسه وتسجيلاته وحساباته في مواقع التواصل الاجتماعي حتى لو لم يحترم الآخر، وما زال يحاول الوقوف عائقا للحيلولة دون تطوير الفكر الاجتماعي بالسبل التي تحرر عقل الفرد من سلبياته وابتذاله للاستعطاف، حيث إن تلك الآراء تتعالى بالتحذير والتحريم والمنع في كل مناسبة ثقافية، في محاولات خاسرة لتشويه الصور الإيجابية لأهدافها، ومحاصرة العقل الجمعي الذي سيطرت عليه لعقود طويلة من الزمن وكانت المحرك الأساسي لرأيه وتوجهاته، وهذا التضليل يحدث في عصر الثورة المعلوماتية وسهولة الحصول على المعلومة التي لا تنحصر طرق الوصول إليها.

لو كان هذا الخطاب راسخا ليبلغ قدرته بتهيئة المجتمع للوصول إلى المستوى الحقيقي للوعي، لكان أشد حرصا على توجيههم للقراءة والمعرفة، فالتنوير يقلص حجم فاعليتهم، ودليل الإفلاس أنهم يحاربون الفكر الآخر بكل ضراوة ويصورونه بالتخويف والسواد وأبشع الصور، فالذي يفعلونه يأتي على طريقة التاجر الذي يسيء لسمعة منافسيه حتى تبقى سلعته رابحة في السوق، وهذا ما لا ينطبق على المجتمعات اليوم، فاحتياجات الوعي قد فرضت واقعا مختلفا، وخرجت من مكنونها وتجاوزتهم بما يفرضه الخروج عن طوق الخطاب المحدود والضيق، حتى ولو لم يحرص الفرد من هؤلاء على قراءة كتاب.