شجعت عملية التحضر في الدول الصناعية المتقدمة التطور البشري وتعزيز مستوى الإنتاجية ونمو المدن، ولكن تزايد الكثافة السكانية بناء على عوامل الجذب الحضري وما آلت اليه الهجرة في معظم مدن ودول العالم الثالث وخاصة المنطقة العربية، قد انعكست بالعديد من المشكلات الاجتماعية التي من أهمها السكن العشوائي والفقر والبطالة وسوء التخطيط الحضري واعتلال البيئة الحضرية، مع صعوبة إيجاد الحلول لتلك المشكلات.

تعتبر عملية النمو الحضري ظاهرة تحمل في مضامينها أبعادا اجتماعية واقتصادية وسياسية، وهي متداخلة وتؤثر على بعضها سواء كان ذلك التأثير سلبيا أو إيجابيا، لكن تطور المدن يتطلب المحافظة على مقومات النمو التي تضمن لهذا التطور البقاء والاستمرارية، ومن ذلك العمل بفاعلية على تنمية المجتمع وتطوير عمله الإداري واستغلال موارده من جهة، إضافة إلى توفير الخدمات للمجتمع وبناء المدن الجديدة ورفع مستواها تنمويا من جهة أخرى، عندها ستتماشى عملية التحضر مع العمل على حلول المشكلات الناتجة عنها.

اقتصر وجود المدن ونمو الخدمات على المدن الرئيسية فقط، وما دون ذلك بقيت المدن الصغيرة على مستوى أقل خدميا وحضاريا وبشكل لا يغني سكانها عن النزوح إلى المدن الرئيسية ولا يشجع الراغبين في الانتقال على البقاء فيها، بينما بقيت أكثر المناطق المسكونة بالناس بين الريف والبداوة فاقدة تماما قيم التحضر، تقل فيها الموارد وتتدنى فرص العمل، حيث إن توزيع التنمية لم يكن منصفا إلى الدرجة التي تسمح ببناء المدن الصغيرة وتزويدها بالخدمات التي ربما تكون أحد معوقاتها ضعف الرغبة في الانتقال اليها، إلا أن في ذلك حقا لساكنيها يقوم على تلبية احتياجاتهم بالطريقة التي تساهم في الحد من التكتل على المدى البعيد، كذلك من الممكن بناء المدن الصغيرة التابعة للمدن الكبيرة، الأمر الذي يسمح بالتالي إلى التوسع وتوازن التوزيع السكاني ويمكّن أسباب التطور المجتمعي على كافة الأصعدة.

إن المدن الجديدة هي الأمل في استيعاب الكثافة السكانية المتزايدة، وإن تحقق ذلك نسبيا إلا أنه بحاجة للمزيد من العمل، بينما بعض المناطق ما زالت تنتظر دورها في الوصول إلى هذا المستوى من التنمية.