قبول الفقهاء من أي ملة، أو مذهب، لفكرة استرقاق البشر واستعباد الناس، وإطلاق مفردة (عبد) و(أمة) على سبيل الذم والتنقص، ومفاخرتهم بعرض بني جنسهم في سوق النخاسة، لبيعهم وشرائهم بأبخس أو أغلى الأثمان لا يخرج من إطار العنصرية المتنافية مع قوله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

كما أن عقد أبواب وفصول في كتب التراث الفقهي للحديث عن أحكام الرقيق وإباقه وخصائه والتسري بالإماء وأمهات الأولاد والمكاتب كل ذلك لا يخلو من تمييز وربما نظرة دونية ترتب عليها لاحقاً تمييز جغرافي ومناطقي ومهني وحرفي حتى غدت عوائل أربى من غيرها وأنساب أقوى من سواها وجماعات أنقى سلالة وأصلب محتداً وأرقى مكانة اجتماعية.

ولا يقل خطراً عما سبق الاعتماد على أحاديث ظنية الثبوت في وصف المرأة بالعورة، ونعتها بنقص العقل والدين، ومساواتها بكائنات أخرى، ما خلق عند الغالبية تصوراً شيطانياً عندما يحضر مصطلح (أنثى)، بل ربما استساغ البعض ما كان يعمد إليه الجاهليون من (وأد البنات) إن صحت الرواية، ولذا ردد البعض في مجتمعنا (البنت ما لها إلا الجوز أو القوز) والقوز أي الدفن، ارتباطاً بوصف العورة والتعوير والعار.

الإشكالية الكبرى ليست في قناعات البشر وعاداتهم التي يمكن نسفها بالنص الديني. وتحجيمها بالممارسة الحضارية لكل أنبياء الله مع أمهاتهم وبناتهم وزوجاتهم، إذ لم يثبت أن نبياً من الأنبياء والرسل عليهم السلام نظر إلى البشر نظرة تمييز عنصري. ولا تعامل مع مكونات المجتمع من منطلق التنقص والذم وإضعاف أي طرف؛ كونهم مبلغين عن الله ما أوحى إليهم وما يوحي الله منزه عن كل مظان التعنصر أو التحزب لعرق أو لون أو جنس.

إنما تكمن الإشكالية في الفقه العنصري، الذي هو تراكم أفهام بشرية وممارسات اجتماعية ومواقف قبلية وسياسية وتداخلها مع بعضها حتى وصلت إلينا في كتب تراثية صفراء ظنها البعض شريعة وبعضنا يراها ديناً خالصاً لا تشوبه شائبة.

الفقه قانون، والقانون متغير وليس ثابتاً، والمتغير ليس ديناً وإنما هو تديّن وعرف.