عندما أنشئت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» ظن الكثيرون أن هذه الهيئة الوليدة التي رأت النور قبل نحو ست سنوات ستشن حربا شعواء على الفساد يتساقط على أثرها الفاسدون كالذباب أمام قوة السلطة التي مُنحت لها، وأهمها ارتباط رئيسها بالملك مباشرة، وحرية حركتها في الوسط الحكومي دون أي تحفظ أو تردد، وحقيقة لا نعلم عن نشاط وإنجازات الهيئة غير ما تبثه على موقعها من أخبار، وما تنشره الصحف المحلية ويصدر عن الهيئة، وما تتم متابعته بناء على ما تنشره الصحف والتي تعتبر رافدا ومخبرا ووسيلة تستعين بها الهيئة في عملها إلى جانب البلاغات التي تردها، والتقرير الوحيد الذي رصد أعمال الهيئة للفترة من 1432-1435، والمنشورات والملصقات واللوحات التي انتشرت في جميع الأبنية الحكومية في أبنية مرافق الدولة بالإضافة إلى رسائل الجوال التوعوية التي وصلت كما قال تقرير الهيئة إلى 10 ملايين مستقبل منهم حكوميون ومنهم من لا يجيد العربية، وكلها تلفت الأنظار وتنبه إلى ضرورة النزاهة وخطورة الفساد بأنواعه، وحتى لا نغمط الهيئة حقها، فقد قامت بأعمال توعوية وعلمية كثيرة انحصرت في الدراسات العلمية والتوعوية وورش العمل التثقيفية وتشجيع الأبحاث في مجالات النزاهة ومكافحة الفساد بجميع أشكاله، كل ذلك محل الاحترام والتقدير، لكن المهم في نظر المواطن والمراقب هو معالجة أسباب الفساد والإعلان عن أشكاله التي تم التحقق من وجودها في مجالات العمل الحكومي المتعددة، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال العمل الميداني والذي حصرته الهيئة في البلاغات التي وردتها، بمعنى أن جهود الهيئة العملية الميدانية كما أوردها تقريرها اعتمد على تلك البلاغات التي صُنفت إلى ثمانية أقسام، تواضعت فيها نسب الفساد الحقيقي بشكل لافت للنظر، فبلاغات اختلاس المال العام جاءت بنسبة 7% ونفس النسبة للواسطة والمحسوبية ونسبة 3% للرشوة، وحقيقة لو أن بلادنا فيها فقط هذه النسب مما يندرج تحت «الفساد» لنافسنا السويد والدانمارك في النزاهة والشفافية ولتحقق لبلادنا قفزات استثمارية ونمو اقتصادي عالمي المستوى لا يصطدم بمعوقات روتينية عقيمة أو فجوات نظامية يدخل منها الفساد والفاسدون.

الموضوع طويل جدا، ومكافحة الفساد أولوية قصوى ونحن نعيش تحولا تنمويا تحت مظلة رؤية 2030، والمكافحة تتخذ عدة أشكال وأساليب لعل من أهمها البحث في أسباب ومعوقات أي عمل أو إجراء يعطل عجلة النمو ويضع العقبات في طريق تحقيق رؤية الوطن في كل المجالات، ومنها الاستثمار سواء جاء من الداخل أو الخارج وهو المجال الذي يحتاج إلى بيئة نظيفة وطاهرة.