ما زالت هناك حالة من الحيرة تسود الأوساط التعليمية، بسبب التصريح المثير للجدل الذي أطلقه وزير التعليم، حين ذكر أن المدارس الحكومية باتت تفتقر إلى المعلمين الحقيقيين، وأن العملية التعليمية أصبحت تقتصر فقط على التلقين، من خلال تقديم المعلومة للطالب دون منحه فرصة للبحث والاستكشاف والمشاركة بالتساؤل!

في الحقيقة أن هذا الكلام صحيح ولا غبار عليه، ويكفي أنه صادر من ربان السفينة التعليمية وهو الأدرى بواقعها وبالظروف المناخية التي تواجهها، وجميعنا يعلم أن هناك فرقا كبيرا بين شخصية المعلم في الزمن الماضي وما كان يملكه من هيبة وملكة عجيبة في طريقة الشرح وإيصال المعلومة، وبين المعلم اليوم الذي بالكاد يداوم ويؤدي حصصه الأولية قبل أن يرن جرس الفسحة ويجمع القطة لفطور المدرسين ثم يكمل الحصة المتبقية عليه في عجالة ويضرب الباب، وبالمساء يأتي كعادته ليبوح بمعاناته بين أصدقائه شارحاً لهم كيف أن التعليم يعتبر أصعب مهنة بالحياة!!

مشكلة المعلم، أنه دائم الشكوى من طبيعة عمله، وربما نعذره لارتباط مهنته بتربية وتعليم الأولاد باختلاف سلوكهم ومستوياتهم الفكرية، لكننا أبداً لا نعذره حين يحاول إيهامنا بأنه لا يحصل على المقابل المادي الكافي مع أن سلم رواتبه والعلاوة السنوية التي ينالها تعتبر الأكبر من بين فئات الوظائف العامة، إنه الموظف الوحيد الذي يمكنه العودة لبيته قبل صلاة الظهر، وهو الوحيد الذي يداوم نصف السنة ونصفها الآخر مجاز، وهو الموظف الذي لا ترتبط أعماله بمقابلة الجمهور ولا تتصل مهامه بأي خطر أو مناوبة أو عدوى، ومع هذا صدع رؤوسنا بالشكوى!

ربما لو جرب المعلم العمل بوظيفة أهلية ليداوم عشر ساعات باليوم وستة أيام بالأسبوع، لحن وقتها إلى مهنته التعليمية التي لا يعطي فيها سوى حصتين أو ثلاثة، ربما لو جرب العمل بإحدى الجهات الأمنية ولمس مدى الخطر الذي يلحق بهم جراء تعقب المجرمين والخارجين على القانون، لعرف وقتها أن وقوفه بالفصل أمام تلاميذه الصغار ما هي إلا نزهة قصيرة كان عليه أن يوفيها حقها، ربما لو جرب المعلم القهر الذي يتملك الموظف حين يتقدم بإجازة سنوية لا تتجاوز الأسبوعين ومع هذا يتم رفضها لحاجة العمل، لأدرك وقتها أنه كان كالابن المدلل الذي يقضي أغلب وقته في اللعب خارج المنزل!

إننا لن ننجح أبداً في إعادة بناء وتطوير العملية التعليمية ما لم يفهم المعلم أنه حجر الزاوية واللبنة الأساسية التي نرتكز عليها، ما لم يفهم بأنه الأكثر حظاً بين أقرانه من موظفي القطاع الحكومي، وأنه حان الوقت لينحي مواويل الشكاوى جانباً ويلتفت إلى تنمية أدواته وأساليبه الفكرية بما يسهم في إيصال رسالته التعليمية السامية، ليس عيباً أن يعود المعلم من جديد إلى الصفوف الدراسية ويتدرب على المفاهيم والطرق الجديدة للتدريس أسوة ببقية المعلمين بالدول المتقدمة، العيب أن يظل المعلم يكابر ويعتبر نفسه فوق الجميع ولا يقبل النقد حتى من المسؤول الأول عنه!