يقول فيكتور هوجو: «تبدأ الحرية حين ينتهي الجهل، لأن منح الحرية لجاهل، كمنح السلاح للمجنون».

عبارة موجزة بليغة، تصف حال الأمم والشعوب، ولعلها تنطبق إلى حد كبير على واقعنا المرير في العالمين العربي والإسلامي، فالجهل -حقا- هو أساس كل بلوى، وعلة كل مرض نعاني منه في مجتمعاتنا، اقتصاديا، واجتماعيا، وسياسيا...

وربما كان الفارق بين الغرب والشرق يكمن في هذه النقطة المهمة، فلقد تخلص الغرب من الجهل، ولا أعني هنا الأمية في القراءة والكتابة، وإنما الجهل بمفهومه الواسع الشامل، الذي يتجسد في عدم فهم الواقع، فلكل واقع فقهه، وهذا ما فطن إليه السابقون حتى في أمور دينهم وشريعتهم، فجاء فقه الشافعي -رحمه الله- مثلا في العراق مغايرا لفهمه وفقهه في مصر، وليت المعاصرين يفقهون هذا ويعونه.

الجهل بالواقع، سواء في الوطن، أو في ما يحيط به من أحداث، هو أساس كل بلية، وما أظن ظهور «داعش» وأخواتها إلا نتيجة هذا الجهل. لم يفهموا معنى الجهاد، ولا وسائله، ولا شروطه، فكان ما كان منهم.

ولعل ما يسمى بثورات الربيع العربي، وهي في الحقيقة ثورات «الدمار العربي»، إذ دمرت فيها دول شقيقة، وقتل فيها مئات الآلاف، وضاعت فيها ثروات بلاد الثورات، أقول لعل هذه الثورات هي التجسيد الحي لمقولة «هوجو» التي بدأت بها مقالي هذا.

فالقذافي، كان طاغية، مستبدا، بدد ثروات شعبه في ما لا طائل من ورائه، ثار الشعب، وحطم القيود، وخرج المارد الجاهل من القمقم، فكان ما كان في ليبيا الشقيقة، وأخشى ما أخشاه -أيضا- أن ينتهي الأمر إلى تقسيمها.

وهو ما حدث في جنوب السودان، فما إن فرح باستقلاله، حتى بات شبح المجاعة يهدد سكانه. اعتقد الجنوبيون أن الحرية في الانفصال، ولم يقدروا ملابسات الواقع، وهم الآن يدفعون الثمن.

لا يفهم البعض من كلامي هذا أنني أجد مسوغا ومبررا للظلمة والطغاة، أو أنني أدعو إلى الاستكانة والخضوع، لكنني في الحقيقة أدعو العقلاء إلى تدبر أحوالهم، وفهم واقعهم، وعالمهم، فهم لا يعيشون في جزر معزولة، وإنما العالم -كما يقولون- أصبح قرية صغيرة.

فمتى يستفيق بعض العرب والمسلمين؟ ومتى تتحرر عقولهم مما ران عليها من الجهل، الجهل في فهم النصوص، الجهل في فهم الواقع، الجهل في فهم العالم المحيط بنا، حتى صاروا يرون العدو صديقا ويستنجدون به، والصديق عدوا، ويوجهون إليه قذائفهم؟!

صدقوني: السلاح بأيدي الجهلاء خطر.