أسست معركة السبَلَة التي وقعت بين الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن والإخوان عام 1929 لخطاب الدولة الرامي لتحييد الشرعيات الجانبية وبناء شرعية جديدة ووحيدة هي شرعية الدولة.

كان الخلاف فكريا أكثر من كونه عسكريا، وانتهت المعركة لصالح الدولة بالطبع ودون شروط أو وعود تكبل المستقبل أو تجعله رهينة لأي اشتراطات تفرضها بعض الأطراف ويلجأ إليها السياسي أحيانا، ولأن الدولة في مرحلة التأسيس كانت تؤمن في شرعيتها وتؤمن بمشروعها فقد أسست قواعد صلبة ومهمة سوف تستمر عليها الدولة بعد ذلك. تلك القواعد تتمثل في منظومة من القيم والأفكار؛ القيم الثابتة والأفكار المرنة القابلة للتغيير والتطوير أو حتى الاستبدال طالما ظلت مرتبطة بتلك القيم.

لقد ظلت كل العهود السعودية عهودا قائمة على مزيد من التغيير والخطوات التقدمية، كلها باتجاه المستقبل ولأن الدولة كانت تخوض معركة التنمية فقد كانت الأولوية للتنمية بمعناها المادي مستندة إلى تلك القيم الثابتة ومستثمرة تلك المرونة في الأفكار، وفي كل مرحلة كانت الأفكار محورا لمواجهة بين قيم الدولة وقيم ما قبل الدولة وأيضاً تنتصر الدولة في النهاية. حدث التحول الكبير في فترة الطفرة؛ انشغال واسع عن بناء الأفكار مقابل حشد هائل من البناء المادي التنموي؛ كان الرهان على أن تلك التطورات المادية التنموية سوف تأتي حاملة معها أفكارها الجديدة مما أحدث فراغا لم تلبث أن ملأته الصحوة التي تضافرت مع الخوف الطبيعي لدى المجتمعات التقليدية من دخول زمن المدينة وظهور أنماط جديدة من العيش. التدين دائما هو التميمة التي يمكن تعليق المجتمعات التقليدية بها لتواجه أية مخاوف لديها وهو ما حدث وتجذر بعد ذلك نتيجة مجموعة من العوامل والظروف والأحداث التي أسهمت في إشغالنا وصرف أنظارنا عن البناء الفكري. حركة جهيمان كانت إحدى أشكال المواجهة الفكرية التي أفرزت نموذجا خائفا من الأفكار وغير مستوعب للدولة، أدت تلك الحادثة إلى تحول في مفهوم التنمية الفكرية السعودية وكانت الخشية من اتساع دائرة المواجهة بين الدولة والأوساط التقليدية عاملا جعل المؤسسة تسعى لطمأنة المجتمع وتغض الطرف عما لا يستطيع المجتمع مواجهته من أنماط جديدة في التدين، فلم يكن لدى المجتمع وعي عام يجعله قادراً على المواجهة ولم يكن لدى المؤسسة سوى هدف رئيس هو ألا تتكرر المواجهة وألا تصل إلى المستويات الاجتماعية التي لن تستطيع مواجهتها فكريا.

في هذه المرحلة بدا واضحاً للدولة نمط الخصومة والمواجهة القادم؛ إنه يتمثل في تخويف المجتمع من الدولة وتقديم الدولة على أنها تتجه نحو أنماط فكرية وثقافية تخالف ما عليه تدين المجتمع. هنا ظهر تيار يرى أن الدولة يجب أن تثبت أنهم على خطأ وأنها ليست كذلك، وتيار آخر يرى أن الدولة يجب أن تواصل مسيرتها دون الالتفات لتلك الأصوات وتواصل البناء الفكري جنبا إلى جنب مع البناء التنموي. كان الرأي الثاني هو الذي تبنته مجموعة من النخب الثقافية والتكنوقراط وتحملوا في سبيل ذلك الكثير من الأذى والتشويش، تحركوا بوطنية عالية وشجاعة علمية وقدموا كثيرا من الأطروحات التي نسعى اليوم للحاق بتنفيذها واقعا، الصحوة وخطابها الذي شهد تحولات سياسية واسعة كان قد اكتسح - نوعا ما - تلك المؤسسات التي يفترض أن تدير التنمية الفكرية وعلى رأسها التعليم ومؤسسات الوعظ والإرشاد، وتحول خطاب الصحوة من خطاب أفراد وجماعات إلى خطاب مؤسسات وهو ما عمق المواجهة بعد ذلك.

أخذت الأجهزة الأمنية مبكرا دورا حيويا وواضحا في مواجهة كل ما ينتج عن تلك الخطابات من تجسيد لأفكارها على الواقع، وتم إيقاف من كان يظن أن أحدا لن يمسهم، واستمر هذا الدور الأمني حيويا متجددا ولم تلحق به الكثير من الأجهزة المعنية بالبناء الفكري.

أوجدت أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالنسبة لنا تنبيها أن المؤسسات يجب أن تتولى دورها في بناء تنمية فكرية تواجه كل تلك الأخطاء السابقة وتحاصر نتائجها الكارثية، لكن أول مشكلة واجهت هذا المشروع هو أنه لا يوجد خطاب جديد متكامل يمكن تقديمه، ولا المؤسسات المعنية لديها من القدرة - وربما القابلية - لتقوم بهذا المشروع.

المواجهة الفكرية مستمرة والدولة تنتصر دائما، لكن التحول الكبير الذي نعيشه الآن سوف يعيد تلك الأصوات للتشنيع على الدولة من جديد ولإعادة استخدام ذات اللعبة القديمة: تخويف المجتمع من الدولة وهو ما كان يحدث مع كل خطوة تنموية تقدمية.

هذا الواقع قد لا ينتهي قريبا وليس المهم أن ينتهي، فقد وصلنا إلى مرحلة ارتفع معها الوعي الاجتماعي إلى الدرجة التي بات معها قادرًا على الرد والمواجهة والمساجلة أيضا، لكن المهمة الأبرز التي تواجهها المؤسسة الآن هي إدراك أن التنمية لكي تواصل نجاحها وتعبر كل مراحلها تحتاج لإعادة إطلاق وتبني نهضة فكرية مدنية وطنية تجعل من الوطنية والتنموية محاورها الأبرز، وتحمي كل ذلك بالقانون وصولا إلى المرحلة التي نؤمن معها أن تنويع مصادر الدخل لا يقل أهمية عن تنويع مصادر التفكير.