يعدّها: علي مكي
ali_makki2@

أكد الكاتب الاقتصادي المعروف الدكتور إحسان بوحليقة أن فهم برنامج التحول 2020 ورؤية 2030 لا يزال قاصراً لدى البعض.

وقال بوحليقة في حوار مع «عكاظ» إنه ينقصهما برنامج للتواصل، مقترحا إيجاد برنامج يضاف للرؤية يسمى «برنامج التواصل 2030»، وهدفه توصيل وتوضيح وشرح مستمر للرؤية والبرامج المنبثقة عنها. موضحا أنه لا يتحدث عن برنامج علاقات عامة، بل عن برنامج يبين لشرائح المجتمع على تنوعها، معطيات ووسائل وأهداف الرؤية من جهة، ويستفيد من التغذية الراجعة لتطوير وتعديل الرؤية في نسخها القادمة من جهة أخرى.

وتحدث بوحليقة أيضاً عن البطالة، والاستثمارات الأجنبية، والسياحة، ووزارة الإسكان، والنمو الاقتصادي، والإيرادات غير النفطية، وقضايا اقتصادية أخرى ملحة بحجمها وأهميتها.

فإلى نص الحوار:

• وزارة الإسكان أجرت أخيراً 37 تعديلاً على لائحة الدعم السكني تتضمن تقليص مساحة المسكن إلى 125 متراً. دكتور إحسان ما الذي يجري بخصوص هذا الملف المعقد (الإسكان).. بعيداً عن جلد الذات كيف يمكن لوزارة الإسكان أن تنقذ هذا الملف من الغرق وتخرجه من هذه الدوامة إلى مسار أكثر وضوحاً؟

•• قضت وزارة الإسكان سنوات تنحت إستراتيجية للإسكان، وتدقق أهلية وجدارة الحصول على منتجاتها، ثم انطلقت تعمل وفق تكتيكات تفصيلية، تتطلب سعة بال. في ظني، أن الإسكان تركت حلاً كفؤاً سهلاً وجميلاً جعل قرانا بلدات، وبلداتنا مدناً، ألا وهو حل «أرض وقرض»، لتعود له ثانية -بصورة أو أخرى- بعد إهدار وقتٍ ثمين. ويمكن الجدل أن تطوير هذا الحل «أرض وقرض» بسرعة، ودون «دوشة رأس» سيوفر سكناً لشرائح واسعة من السعوديين. فمن يريد أن يقيّم الأداء عليه أن يقيس ما أنجز منذ أن أسست هيئة الإسكان حتى هذا اليوم، وما الذي أنجز ميدانياً، أي منذ قرابة 10 سنوات. هذا الوقت مضى في الانتظار، والانتظار صعب، ولا سيما على من لا يملك مأوى. الأمر الآخر أن منظومة التمويل العقاري تمشي الهوينى؛ إذ إن الكثير يمكن عمله من خلال تدبير تكاليف تمويل الرهن العقاري، التي ترهق كاهل الشباب لمساعدتهم في امتلاك منزلهم الأول.

• هل لدينا فهم كلي وواضح لمرحلة التحول ٢٠٢٠ والرؤية ٢٠٣٠ يستوعبه الناس والقطاع الخاص؟

•• في ظني أنه فهم ما زال قاصراً. وفي ظني كذلك، أن الرؤية والبرنامج ينقصهما برنامج للتواصل، ولعل برنامج التواصل ينبغي أن يكون هو البرنامج الأكثر بروزاً، أما الآن فهو مفقود، وفقده مؤثر بصورة جوهرية، وذلك يخلق ضبابية غير مبررة. ولذا، فلعلنا نرى برنامجاً يضاف للرؤية يسمى «برنامج التواصل 2030»، وهدفه توصيل وتوضيح وشرح مستمر للرؤية والبرامج المنبثقة عنها. لا أتحدث عن برنامج علاقات عامة، بل عن برنامج يبين لشرائح المجتمع على تنوعها، معطيات ووسائل وأهداف الرؤية من جهة، ويستفيد من التغذية الراجعة لتطوير وتعديل الرؤية في نسخها القادمة من جهة أخرى.

أما موضوع القطاع الخاص فهو موضوع كبير. إذ إن الرؤية وبرنامج التحول الوطني «رمى» على القطاع الخاص حِملاً كبيراً، دون أن يكون القطاع الخاص حاضراً! وقد عول برنامج التحول الوطني، باعتباره برنامج خصخصة في جوهره، على القطاع الخاص ليكون شريكاً، دون أن «يتفاهم» مع القطاع الخاص حول هذه الشراكة. كتبت مقالاً حول عقد مؤتمر صحفي إبان إعلان برنامج التحول الوطني، ذكرت فيه أن هناك كراسي للوزراء المعنيين بالبرنامج وسط غياب كرسي للقطاع الخاص، المعني أكثر من غيره بتنفيذ برنامج التحول الوطني، فالجهات الحكومية «خارجة» وتريد للقطاع الخاص أن «يدخل» ليقوم مقامها في الكثير من المهمات. ألا يستحق تداخلاً أعمق، وتشاوراً مع القطاع الخاص؟.

ومن ناحية أخرى نشرت الحكومة الموقرة وثيقة برنامج التحول الوطني، وكان ينبغي أن يهب القطاع الخاص، عبر مؤسسات تمثله، مجلس الغرف السعودية مثلاً، ليعد وثيقة نظيرة لبرنامج التحول الوطني، ولكن من وجهة نظر القطاع الخاص، وما هي مرئياته لتنفيذ برنامج التحول 2022. المطلوب من القطاع الخاص أن يصبح شريكاً كاملاً، وهذا دور يتطلب فهماً وتفهماً وتفاهماً.

• ما مدى قدرتنا على الاعتماد على مصادر غير نفطية خلال مرحلة التحول ٢٠٢٠؟ هل سنصل لنسبة معقولة تحقق الهدف؟

•• نملك قدرة تنبع من أن كفاءة الإنفاق الحكومي مستهدفٌ الارتقاء بها، ومنذ إعلان ميزانية العام 2016 فذاك (أي رفع كفاءة الإنفاق) كان عنوانها العريض. ورفع الكفاءة يعني خفض الإنفاق، وهذا يتحقق عبر إلغاء المشاريع والالتزامات غير الضرورية الآن، وإلى زيادة الإيرادات غير النفطية. وبالفعل فقد حققت الحكومة قفزة هائلة في تنمية الإيرادات غير النفطية في العام 2015، بما يقارب 30%، واستمرت في ذلك النهج في العام 2016.

لكن لن تتمكن الحكومة من زيادة الإيرادات غير النفطية في السنوات القادمة دون انتعاش الاقتصاد ونموه، بحيث إن ما يستقطع على شكل ضرائب ورسوم يكون متسقاً مع نمو الإنتاج والأرباح، والنمو الاقتصادي، هو الذي سيساهم في تحقيق أهداف «الرؤية 2030» بالجملة، وهكذا، فيمكن الجدل أن الشرط المسبق لتحقيق أهداف الرؤية هو حفز النمو الاقتصادي. ولعلنا بحاجة لمعدل نمو سنوي يتجاوز 7% لتحقيق ما تصبو إليه الرؤية 2030. وهذا يعني أن نحسن مناخ الاستثمار، وننجح في استقطاب استثمارات وتقنيات وخبرات، وفي الإحلال محل الواردات وتنمية الصادرات، وفي ترشيد الاستقدام والتوسع في إحلال السعوديين في الوظائف النوعية ذات القيمة.

• المشاريع التي دشنها الملك سلمان في الشرقية قبل فترة.. كيف تراها؟ وما هي مردوداتها الاقتصادية والاجتماعية خصوصا أن أرامكو هي من تنفذها؟ وما الذي يجب عمله من أرامكو كي تتحقق كلمة الملك بأن هذه الصحراء أصبحت الربع المليان وليست الربع الخالي؟

•• مهمة وجوهرية ولصيقة بأهداف الرؤية 2030. فالملك سلمان بن عبدالعزيز -يرعاه الله-، أكد في كلماته التي ألقاها أثناء جولته في المنطقة الشرقية، على أهمية تحقيق «رؤية المملكة 2030»، وقد شهدت المنطقة تدشين جملة مشاريع تتصل بزيادة المحتوى المحلي والتنويع الاقتصادي، ولاسيما ما يتصل بمشاريع أرامكو ومعادن والمشاريع في الجبيل وينبع، وفي رأس الخير بما في ذلك مركز الملك سلمان للصناعات البحرية، الذي من المؤمل أن يكون منطلقاً لصناعة المنصات البحرية.

وعلى ذكر الربع الخالي، فإن ما أنجزته أرامكو في شيبة كان إنجازاً ملفتاً وقد تعزز بافتتاح مشروع إضافي أثناء زيارة الملك سلمان -يرعاه الله-. ونشهد كيف أن أرامكو تنتقل من شركة بترول إلى شركة طاقة تمتد أنشطتها لحلقات القيمة كافة. وعبارة الملك «الربع المليان» تترجم بالتركيز على تنمية المحتوى المحلي، بزيادة الترابط بين المصنعين أفقياً وعمودياً، والنجاح في استقطاب صناعات من أنحاء العالم تساهم في تنمية منتجاتنا إجمالاً بما في ذلك صادرات المملكة، وفي توفير فرص عمل للمواطنين. وكما أن تطوير حقل شيبة في الربع الخالي كان تحدياً هائلاً وأصبح حقيقة بحمد الله، كذلك فإن الصناعات التحويلية المبنية على ذلك الحقل العملاق ستعزز مقولة الملك لتصبح حقيقة لصالح مستقبل الوطن وأهله.

• هيكلة الاقتصاد هل ترى أنها إعادة هيكلة لسلوك المستهلك لكي يصبح أكثر ترشيداً وادخارا؟

•• لا.. فعلى الرغم من أهمية الترشيد والادخار، إلا أن ما يصنع الازدهار هو النمو الاقتصادي المرتفع والمتواصل. تصور أن ينمو اقتصادنا بوتيرة 10% سنوياً لمدة 15 عاماً، ذلك كفيل بأن يغير وجه وطننا ويضع اقتصادنا ضمن الأكبر في العالم. وقد يقول قائل إن ذلك صعب. وسأتفق معه اتفاقاً تاماً، لكن يمكن الجدل أن ذلك ليس مستحيلاً، فقد أنجزته العديد من الدول التي كانت تعاني من فقر مدقع، كسنغافورة مثلاً، لننظر الآن إلى أين وصلت سنغافورة. لم تهطل على سنغافورة ثروة من السماء، ولم يخرج لها نفط من الأرض، لكن سنغافورة خاضت برنامجاً للتحول الاقتصادي، ونجحت. إذن، كل ما تغير في سنغافورة كان «الإدارة الاقتصادية»، فأحدث الفارق. وقصة مشابهة، مع فارق الحجم حدثت في الصين، إذ استمر الاقتصاد الصيني يحقق نمواً فوق الـ10% لنحو ثلاثة عقود متواصلة دونما انقطاع، ليصبح التنين العملاق الذي يبتلع كل ما حوله من أسواق، ولتصبح الصين هي مصنع العالم الأعلى كفاءة والأغزر إنتاجاً. ونحن كذلك أمامنا «روشتة» اقتصادية واجبة الصرف مكتوب عليها أربع كلمات بخط واضح: «نمو اقتصادي عالٍ ومتواصل». التحدي الحقيقي -في ظني- أن ننجح في تحريك كل تروس الاقتصاد والمجتمع لتحقق ذلك الهدف، وبتحقيقه يكسب الجميع، ويزدهر الجميع، وينجح الجميع.

• لماذا الحرص على الوظيفة الحكومية، ووزير الخدمة المدنية حسب دراساته وإحصاءاته يقول إن إنتاجية الموظف هي ساعة واحدة فقط؟

•• في ظني أن تدني إنتاجية الموظف لا يرتبط به وحده، بل هي محصلة لما يناله من تحفيز ولبيئة العمل المحيطة به. فالتحفيز هو السر لإطلاق المارد داخل كل موظف لينتج بحرقة واجتهاد. أما «جَلد» الموظف وتحميله مسؤولية التقصير فليس في ذلك إنصاف، إذ لا بد أن تتحمل جزءاً لا يستهان به من المسؤولية المنظومة ككل، فالموظف جزء منها وليس كلها!

ومن جهة أخرى، فإن حرص المواطن على الالتحاق بوظيفة حكومية ينبع من فطنة أنها وظيفة تتمتع بقدر كبير من الأمان الوظيفي، وراتبها إجمالاً أفضل من القطاع الخاص. وليس محل شك أن سوق العمل السعودي يعاني من ازدواجية وتمايز بين وظائف الحكومة ووظائف القطاع الخاص، ولا بد من التعامل مع هذا التشوه، بتعزيز الأمان الوظيفي في القطاع الخاص، وليس كما نلاحظه هذه الأيام من تصاعد لجوء المنشآت الخاصة لفصل الموظفين بناء على نصوص المادة 77 وأخواتها. مما يدفعني للقول إن الإشكال الجذري الذي بحاجة لتعامل حاسم معه هو تشوهات سوق العمل السعودي، الذي عانى طويلاً من انفصام سياسة الاستقدام عن سياسة الإحلال، إذ نجد أن كلاً من السياستين يعمل في فلك منفصل، ولذا عشنا سنوات نستقدم ما يزيد متوسطه على 100 ألف تأشيرة للقطاع الخاص شهرياً! وفي الوقت نفسه نعاني من معدل بطالة متصاعد بلغ حالياً 12.1%! ولا بد من بيان أن انحسار البطالة هو أحد المؤشرات الرئيسية لصحة وعنفوان الاقتصاد الوطني. وفي ظني، أننا لن نذهب بعيداً في تحقيق طموحاتنا الاقتصادية دون الربط والمواءمة والمزاوجة بين سياسة الاستقدام بما يفيد ترشيده، وسياسة الإحلال بما يحقق التوظيف الكامل للسعوديين والسعوديات في أفضل وظائف ممكنة.

• ما هي الأسباب المؤدية لضعف النشاط الاقتصادي وضعف جذب الاستثمارات الأجنبية أو السياحة أو سياحة المعارض وغيرها؟

•• مناخ الاستثمار غير منافس. ولا مجال للجدل هنا، فلو كنا الأعلى تنافسية لأتت كل الأنشطة إلى هنا، ولأتى كل المستثمرين إلى هنا. أمامنا جملة من معوقات الاستثمار التي لا بد أن نتجاوزها، ليس أقلها أهمية الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية بما يخدم اقتصادنا الوطني من حيث زيادة المحتوى المحلي وتوليد وظائف وزيادة الصادرات، ومن أجل ذلك لا بد أن نستقطب أفضل المستثمرين بتوفير أفضل الاشتراطات.

• أعلنت «نزاهة» عن «وجود مخالفات كبيرة في ١٠ وزارات» ما يعد مؤشراً على خلل وفساد في تطبيق المعايير من قبل وزارة الخدمة المدنية.. ما رأيك في موقف الهيئة العامة لمكافحة الفساد تجاه هذه القضية؟ وموقفها الآخر من عدم الكشف عن أسماء المتورطين في الفساد من أجل الستر وعدم التشهير؟ هل ترى عمل الهيئة مرضياً؟ وما الذي يجب عليها اتخاذه في هذه القضية وغيرها من القضايا الكبيرة؟

•• تعزيز الشفافية والمحاسبة ومكافحة الفساد بكل أشكاله وألوانه أمر لن يختلف عليه اثنان. ولتحقيق ذلك، فلا بد من إعادة هيكلة الأنظمة الرقابية حتى يصبح بوسعها الارتقاء بأدائها بما يتلاءم ومتطلبات المرحلة التي تتسم بتطبيق رؤية طموحة وبرامجها، ولعل ما هو مطلوب هو تطوير منظومة الحوكمة المرتبطة بتحقيق الرؤية 2030 لتصبح أكثر إلزاماً لكل مفاصل المنظومة المسؤولة عن تحقيق الرؤية، ومنح دور بارز لمجلس الشورى ليساهم في تحقيق الرؤية 2030 عبر سياق الحوكمة الشاملة، وارتكازاً على المادة الـ15 من نظام المجلس.

وما يدفع لذلك، أن مجلس الشورى ليس جهة تنفيذية منخرطة في تنفيذ الرؤية، بما يعني تحرره من تعارض المصالح، وبالتالي يصبح بوسعه ممارسة دور الرقيب وضابط الالتزام للتأكد أن الرؤية تنفذ وفقاً للخطط الموضوعة. وتجدر الإشارة أن هذا لا يعني أن المجلس يمثل كل منظومة حوكمة الرؤية 2030، بل إحدى دعائمها الرئيسية، لتتكامل مع بقية الدعائم، بما يحد من مخاطر تباطؤ التنفيذ أو انحرافه عن مساره.

• تضاربت تصريحات وزارة العمل والتنمية الاجتماعية حول ارتفاع معدل البطالة، إذ أكد الوزير السابق مفرج الحقباني ارتفاعها خلال الربع الثالث من العام الحالي إلى 12.1% في حين نفى وكيل الوزارة للسياسات العمالية أحمد قطان، أخيراً، ارتفاع معدل البطالة في العام الحالي.. كمتابع ومتخصص في الشأن الاقتصادي كيف ترى هذا التناقض في وزارة واحدة؟ وبين الوزير ووكيله؟ ماذا في رؤيتك كخبير اقتصادي من حلول للبطالة؟

•• وزارة العمل ليست هي الجهة المخولة بالإعلان عن معدل البطالة، بل التخويل هو عند الهيئة العامة للإحصاء، فهي التي ترصد البطالة وتعلن معدلها، وهي التي أعلنت أن معدل البطالة ارتفع إلى 12.1%. أما الحديث عن مكافحة البطالة فيطول، وقد تكفي الإشارة إلى أن النمو الاقتصادي هو الذي يولد الوظائف، وأن المواءمة بين سياستي الاستقدام والإحلال كفيلة بأن تجعل الجزء المهم من تلك الوظائف يذهب للسعوديين والسعوديات الباحثين عن عمل. أما الأمر الملفت في البطالة عندنا أن قرابة 58% من العاطلين يحملون شهادة البكالوريوس، ورداً على ذلك سيرفع البعض راية «عدم مواءمة مخرجات التعليم العالي لمتطلبات سوق العمل»، وهي راية لم أقتنع بها قط، بل يمكن الزعم أن السبب الرئيس للبطالة، ولا سيما بين الخريجين الجامعيين هي «الاستقدام الجائر»، الذي يمنح تأشيرات عمل ويسمح باستقدام وافدين حديثي التخرج في منافسةٍ فجةٍ غير مسؤولةٍ لخريجينا الذين يحمل بعضهم شهادات جامعية من جامعات مرموقة من داخل السعودية وخارجها وفي تخصصات مطلوبة.

• هل لديك قناعة بأن هناك بطالة في ظل وجود ١٠ ملايين أجنبي؟ أين الخلل؟

•• نعم، لدينا بطالة صريحة، ولدينا سعودة وهمية، ولدينا تستر. ولدينا عمالة وافدة أكثر من حاجتنا بكثير تحول مبالغ هائلة تتجاوز 150 مليار ريال سنوياً، تنهك حسابنا الجاري. والخلل أننا نمارس سياسة استقدام «متحررة وانفتاحية» ونسمح بـ«الاستقدام الجائر»، كما تقدم. وفي المحصلة نتكلف من المال أكثر مما ينبغي لنستقدم فوق حاجتنا، وبما يودع مئات الآلاف من أبنائنا الباحثين عن عمل في البيوت، بعد أن أنفقنا المليارات على تعليمهم! هذا يسمى هدر، لا ينبغي أن يستمر ونحن ننادي برفع كفاءة الإنفاق.

أقول هذا، ولست ضد الاستقدام، فليس لدينا من الموارد البشرية ما يكفي، لكني أتحدث عن عدم استغلال مواردنا البشرية الاستغلال الأفضل، فذلك سيأتي لنا بالخير الوفير. وفي دول مجموعة الـ20 كافة، فسوق العمل مغلق على مواطني تلك الدول، وتفتح للوافدين استثناءً وحسب الحاجة المقننة للاقتصاد، فأسواق العمل إجمالاً لا تفتح، وعلينا تذكر أن أحد أسباب انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو تدفق العمال إليها من بقية دول الاتحاد في حين أنها تريد الاحتفاظ بالوظائف لمواطنيها!.

• في رأيك.. ما أسباب ارتفاع بطالة النساء اليوم بنسبة ٣٣٪‏ والذكور ٦٪‏ ؟ مرة أخرى أين يكمن الخلل؟ ما الحلول من وجهة نظرك كخبير اقتصادي؟

•• لا تختلف الإجابة عما سبق، وهنا لا بد من الإشادة بأن نمواً حقيقياً حدث في توظيف المرأة السعودية التي تثبت كل يوم أنها على قدر المسؤولية، وأنها تمثل دعماً حقيقياً لتوفير الموارد البشرية المواطنة للاقتصاد السعودي، بما يمكن من سد الفجوة، ويحقق بذلك فوائد عديدة لاقتصادنا الوطني، فالقصد من توظيف المرأة ليس إخراجها من منزلها بل السعي لتوفير موارد البلاد وعدم إهدارها، وفي ذلك قوة ومنعة لوطننا الغالي.

• هل أعطينا المرأة حقها العلمي والوظيفي والفرصة بسوق العمل؟ وهل نحن بحاجة إلى قوانين إلزامية تفرض هذه المساواة؟

•• خطت المملكة خطوات متتابعة لتوظيف المرأة، لكنا ما زلنا في البداية، إذ إن السعوديات يشغلن نحو 800 ألف وظيفة من 1.5 مليون وظيفة نسائية في المملكة، رغم أن جُلّ العاطلين عن العمل من المواطنين إناث سعوديات؛ نحو الثلثين (قرابة نصف مليون سعودية) وفق البيانات الرسمية. نحن بحاجة لإطلاق برنامج وطني ضمن «رؤية المملكة 2030» تحت مسمى «برنامج رفع كفاءة توظيف الموارد البشرية السعودية»، يسعى لتعظيم الاستفادة من مواردنا البشرية، ليس تنطعاً بل بقصد بناء رأس المال البشري، الذي لم نستطع الدفع به كما ينبغي على مدى عمر التنمية في المملكة، أي منذ العام 1970، والسبب أن إدارتنا لسوق العمل، تشبه «الباب الدوار»؛ تأتي بعمالة وافدة لتكتسب خبرة وتدريباً هنا ثم لتغادر، عوضاً عن أن تجلب عمالة وافدة خبيرة ومدربة للارتقاء بكفاءة مواردنا البشرية وبالتالي رأس المال البشري. إذن، القضية ليست المرأة بل الرجل كذلك، إذ إننا بحاجة لكل لحشد قدراتنا كافة لتحقيق أهدافنا في الازدهار والنمو.

• ما مفهوم الأمان الوظيفي لدينا؟ هل هو مرتبط بعدم الفصل من العمل أم بتحقيق الأهداف؟ ما هي وجهة نظرك؟

•• علاقة العمل بين الموظف ورب العمل ينظمها نظام العمل. وعلاقة العمل ليست عقداً أبدياً، بل هناك -كأي عقد- أسباب وموجبات لإنهائه. هذا إجمالاً، أما ما يحدث في بعض منشآت الأعمال، أنها تقرر أن تبدأ برنامج تقليص النفقات بتسريح الموظفين، فمثلاً قد تجد بنكاً حقق على مدار أرباع كثيرة ما لا يقل عن مليار ريال ربحاً صافياً، ثم يفصل حفنة من الموظفين السعوديين لأسباب مختلفة، مثل «إلغاء الوظيفة»! كلام مردود عليه، فبوسعه أن يُدرب ويؤهل الموظف ليشغل وظيفة جديدة غير التي أُلغيت، و«سواليف» من هذا النوع. نحن بلد لدينا وفرة من الشباب الباحثين عن عمل، ولدينا ملايين الموظفين الوافدين، وتحديداً يعمل في المملكة 12.4 مليون موظف منهم خمسة ملايين سعودي مقابل 7.4 مليون وافد. وفي حال تطبيق سياسة مرونة السوق «للفصل والتوظيف» فلا بد من التنسيق بين منشآت الأعمال والجهات الحكومية، فقبل تسريح السعودي لا بد من تأهيله لشغل وظيفة أخرى، إذ إن خفض البطالة هدف وطني. وعلينا أن نتذكر، أن ليس بوسعنا ترك الموظف في مواجهة رب العمل، ولا بد من توفير الحماية والدعم للموظفين من الاستخدام المتعسف لمواد نظام العمل ولاسيما المادة 77 وأخواتها.