ماذا لو اكتشفت أن شخصا يتلصص عليك وعلى أهل بيتك، أو أحدا يسترق السمع لحديثك أو يختلس النظر في خصوصياتك ويعبث بها؟ وماذا لو صدمك تورط أحد أبنائك في مشكلة، أو تعرضت أنت أو هو أو هي لحالة نصب وخداع إليكتروني؟ بالطبع هناك إجراءات قانونية لبعض الحالات، لكن في كل الأحوال هي مسؤولية الفرد أولا عندما يطلق العنان لإهماله ويريق خصوصياته، ووقوع المخدوعين والمغرر بهم فريسة لمروجي انحلال ومخدرات وأفكار ضالة. وكل تلك الشباك الإلكترونية تدمر أخلاق وعقل واستقرار ضحاياها في الواقع.

فالحقيقة ليس هناك من تحصين في هذه الغابة الإلكترونية، إلا أن يكون الشخص عاقلا في استخدامه لتقنيات وتطبيقات التواصل، وواعيا وراشدا في التجوال خلالها، ومنضبطا في التفاعل معها، وإيجابيا في الاستفادة منها، ودون ذلك يكون الوهم والخسران. فمعظم مستخدمي المتصفحات وشبكات التواصل والتطبيقات وحتى برامج الحماية من الفيروسات والاختراقات، يعلمون أنها أول من يرصد ويجمع بياناتهم وسلوكهم الإلكتروني وهي تؤكد ذلك مع تطمينات لهم، لكنها مختلفة بالنسبة للمشاهير في حال التسريبات أو الاختراقات كما حدث للمرشحة الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون.

مليارات المعلومات ومثلها من الدولارات تتحصل عليها تلك البرامج والشبكات والتطبيقات، فمئات المليارات من المعلومات الشخصية عن البشر على اختلاف ألوانهم ولغاتهم تتقاسمها تلك الوسائل الإلكترونية، ومثال ذلك قبل سنوات قليلة كشفت دراسات أن أكثر من مئة مليار معلومة سلمها المستخدمون للإنترنت طوعا وتطوعا ورغبة عن أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم، وتقوم تلك الشركات المشغلة بتصنيفها إلكترونيا بما يفيدها، تماما مثلما توفر سهولة التصنيف للبحث المعلوماتي بالكلمات والأحرف عبر المتصفحات وعميدها وكبيرها (قوقل) ونشر صور وغسيل سكان الفيسبوك، فأي خصوصية فردية أو مجتمعية في ظل طوفان المعلومات والبيانات والصور التي تصب في تلك المستودعات الإلكترونية الهائلة، وتقدم خلاصاتها للشركات العالمية لتسويق منتجاتها وفهم طبيعة المجتمعات وكيفية التخطيط لها كقوة ناعمة أكثر تفاعلا وتأثيرا من وسائل الإعلام التقليدية، وفي حقيقتها هي أسلحة الحروب الجديدة ومفتاحها للفوضى إذا غاب الوعي.

أيضا كثير من البيوت والأسر تفقد خصوصيتها من حيث تدري أو لا تدري بهواتف عمالتها المنزلية، ونشر صور على صفحاتهن الشخصية لأصدقاء وصديقات أو أسرار مخزنة على هواتفهن ولا تخرج إلا في الوقت المناسب على طريقة (إن أحسنتم أحسنا والعكس صحيح)، وبعض الأسر وربات البيوت يبتلعون طوعا تجاوزات وسلوكيات غير مقبولة من العاملة في ظل نار تكلفة الاستقدام، بل البعض يشتري لها هاتفا حديثا مزودا بكل البرامج التي تتيح لها التواصل وإنترنت مقابل أن تستقر معهم.

إذا كان الواقع قد يؤلمك بأضرار ممن تعرفهم شحما ولحما وبينك وبينهم عيش وملح، فكيف بصداقات وهمية، وكيف لإنسان أن يضر الآخرين بالإساءة لهم والمساس بالأعراض، وينسى أن الله رقيب حسيب، لكنها الطبيعة البشرية. والإنسان إذا أحسن استغلال هذه التقنيات عظيمة التطور والفائدة يرتقي حتما، وإن أساء إنما لنفسه أولا، ولا يلوم سوى نفسه عندما يقدم خصوصيته مجانا لمن يظنهم أصدقاء، والأخطر مع مجهولين ومن خارج الوطن وربما يسعون إلى الإساءة له والإضرار به. أما عمالقة البرامج الإليكترونية فلا يهمها سوى استثمار مستخدميها وتطمئن أنهم والأرباح في ازدياد.