التدين سمة مجتمعية، شأن التدين الفطري لأي مجتمع مسلم. فلا تمييز إلا بحسن الانتماء للوطن، وحسن أداء العمل الدنيوي، وحسن الخلق، وكما قال الشاعر (وإذا رزقت بخصلة محمودة... فقد اصطفاك مقسم الأرزاق).

يعتقد بعض الطيبين من الأصدقاء والمعارف ومن الشانئين أني بما أكتبه أقف ضد الدين الإسلامي وحاشا الله أن أكون ضد رسالة سماوية نقيّة، أو سنة نبوية غير مشوهة، ولست في مقام تزكية الذات، فالله أعلم بنا مُذْ أن كنا أجنة في بطون أمهاتنا، هو أدرى بمن اتقى.

أنا ضد أن يتحول الدين إلى حزب يفرز الناس، ويصنف المجتمع، ويبذر بذور فتنة بين أهل، وضد التجمهر تيارياً للمناداة بالتمادي في الوقوف بوجه أي مكون مجتمعي يريد التعبير عن نفسه وهويته وهوايته، وضد توظيف الدين لغايات سياسية، وضد الحمقى الذين يرفضون إعمال عقولهم في أقوال بشرية قابلة للصواب مثل ما هي محتملة الخطأ.

ولربما تجنح بعض الحكومات لغايات معلنة وخفية إلى توفير أجندات وأوراق قابلة للاستعمال، أو للإهمال، أو للحرق أيضا، ولربما بعض الدول لعبت بالتيارات، فما لبثت التيارات أن لعبت بها، خصوصاً الإسلاموية منها باعتبارها لا ترى أهلاً لإدارة أو رئاسة إلا هي.

سأروي لكم قصتين أنا مؤتمن على نقلهما كما هما دفعتاني إلى كتابة المقالة، الأولى صديق أكاديمي منفتح وناقد للتيار الديني، ويصفه بالراديكالي، والدوغمائي، وعندما طلبتُ منه المشاركة معي في موضوع صحفي عن الصحوة تردد ثم اعتذر، وبرر اعتذاره بقوله «ما يدريك لعله يعود تيار الصحوة مجدداً، ويستحكم في الأمور كما سبق، ويحاكمنا بأثر رجعي على كل ما قلناه أو كتبناه بحقه؟». قلت: هل تهادن، قال: طبعاً الكل يهادن.

وخلال متابعة فعاليات البرنامج الثقافي للجنادرية كان بجواري أحد المثقفين، فتطارحنا سر تغييب المرأة من جدول الفعاليات المألوف طيلة أعوام مضت، فقال «لعلهم يهادنون التيار»، فقلتُ «لعلّهم».

أتصور أن الدول ومصالحها العليا أكبر من أي حزب أو تيار أو تنظيم. ونحن مقبلون على رؤية قوامها الاقتصاد. والمال عصب الحياة، ومحرك المجتمعات، وفارض التغيرات، كوننا نحتاج إلى غيرنا من الأمم مثل ما يحتاجون لنا. ولذا لا أميل إلى فرضية المهادنة.