كان أشبه ما يكون ببهلول جوال. عندما يتعب من المشي يستقر تحت أجنحة المساريب. وعند مرور الصبايا بأغنامهن يسمعهن آخر ما بنى من أبيات. ويرفع الصوت بطرق الجبل «ليت الصبايا يتقسمنه بقسمه. وآكن أنا ذا يقسّم. واهب لذا محتاج واقول هاك يا آنا».

سمع أن أبا منشار اقتنى جملاً فذهب ليبارك، وليرى ما عاد به تاجر الأقمشة من رحلة التهم. سأله: هذي نفعتك لأهلك بعد غيبة سنة هذا الجمل الأجرب؟ رد عليه: وش أسوي يا أبو مزمار (أمر الله شق القربة). ندف أبو مزمار بكفه على صدره قائلاً «والله لا خلي قريتك تغديني مضرب مثل بين رجال القرى». قال وش في رأسك؟ لم يرد عليه. عاد إلى منزله المتواضع. تناول مشعابه من الزافر. وتحفش الثوب المدولق وغرزه في تكة السروال. يمم صوب الشرق. والشرق فرق كونها مطلع الشمس والنور.

عمل راعياً لأغنام البدو. وطال مقامه بينهم. بعد سنوات عاد وبيده خطام حمارة كأنها فرس. اعتنى بها. وأدخلها معه داخل البيت. مباهياً ومفاخراً أنها من سلالة حميرية نادرة. في هزيع أخير من ليلة شاتية انقدحت في ذهن أبو مزمار فكرة. ومع شقشقة ضوء الصباح انطلق ليبحث لها عن أفحل الحمير لتلقيحها. جال في كم قرية حتى استدل على قروي متخصص في الفحالة. ولا يتبرم من أخذ الأجرة. لكنه يبررها بأنه ليست أجرة اللقاح. وإنما أجرة المشوار.

ولدت بتوأمين. وكادت القرية تطير فرحاً. لم تكد تقوى على السير حتى كان أبو مزمار يؤجرها لحمل الدمن. قالوا حرام عليك يا رجال ترهقها وهي صغار بنقل السماد للمزارع. قال «هويه حرام. من بعرها فوق ظهرها». علمي وسلامتكم.