يعيش العالم العربي تحولات كبرى تستجدي النظر إلى الفن والأدب برؤية مختلفة، وهي الحالة التي يجب ألا ينفصل فيها الإبداع عن الفضاء العام بما يتطلبه الواقع علميا ومعرفيا وما يتجدد عن ذلك فنيا وأدبيا، كونها حالات تنفرد وتتميز بخروجها من المشاعر الداخلية لمن يمارسونها، وفي وسعها أن تنتج تحولا عاما على الفنون والأدب بداخل المجتمع.

ظهرت الحزبية التي قد تصل إلى التضاد والتنافر نتيجة لعوامل عديدة قد يصعب علاجها ولكنه ليس مستحيلا، لعل من أهمها في هذا الإطار هو ذلك الحجم من الاستقلال والانكفاء الذي يمارس في مجالات الفن والأدب والذي لم ينفتح منه مجالا لمستقبل الإبداع الأدبي والفني في السياقات الاجتماعية، نتيجة الرفض المستمر بمبررات تقليدية في الشكل العام، فقد كان من المفترض أن يولد الفن والأدب من تلك الصورة حينما يأتي تعبيرا عنها، ولا يقصد بذلك الأعمال المنظمة لظهور أي منهما في إطار مؤسسي متخصص، لأنها تظل ممارسات تستقطب المهتمين لها تحت إشراف نظامي ولكنه شبه منقطع عن الصورة العامة كنوع من الممارسات المغلقة على ذاتها، كذلك فإن بعض الفنون تولد في طبيعة سرية لفئة من الهواة والعارفين الذين يجدون فيها ملاذا وتسلية وتحقيقا لأنفسهم من خلال صنعة فنية عرفوها، لكنهم محرومون وعاجزون من مشاركة الناس على الأرصفة والطرقات وإمتاع العامة الذين قد يجدون في ذلك متعة، مما يفسر وجود خلل كبير في العناصر البنيوية للذوق العام إزاء العمل الفني.

إن مسألة القبض على فنان صغير لا يذكر اسمه وهو يتلهى بآلة موسيقية في حديقة عامة ومن ثم معاملته كجانٍ هي إحدى الصور السلبية التي تغرس أثرا طويل الأمد وتساهم في تكريس مبدأ الرفض الاجتماعي لممارسة إنسانية كتلك، ومن جانب آخر فهي تخلق فجوة ثقافية ومعاكسة للأهداف المنظمة وتؤدي إلى انعزال الفنون في ظل غياب الإبداع والمناخات المساعدة على خلقه، بينما بقيت قضية الإنتاج الفني والأدبي ومدى تأثرها بثقافة المجتمع وتأثيرها فيه قضية معقدة وخالية من المنافذ والحلول.

شوارعنا ومداخل أسواقنا وحدائقنا العامة مملة وتنتفخ بطاولات المأكولات والمشروبات المحضرة منزليا والمعروضة للبيع بما يفوق تكلفتها، ولا شيء آخر يظهر من حضارة المجتمع سوى ثقافة الاستهلاك، ذلك ليس بمستوى يمكن ذكره في سبيل التحضر، فلن يكون التغيير كبيرا بإبراز بعض الموهوبين على المسارح، أو اجترار الفن الذي ولد قبل ثلاثين عاما في أشرطة الكاسيت، لكنه سيكون أكثر جدوى إذا كان تعبيرا يأتي من حالة الناس ولا يفرض عليهم، حينذاك؛ سيولد الفن والإبداع على الطرقات ويزهو العزف فوق الأرصفة.

maha3alshehri@gmail.com