أجرى الباحثان الأمريكيان نيكولاس وفليكس دراسة مطولة، تناولا خلالها ظاهرة تكرار وفاة الشريك الثاني بعد فترة وجيزة من وفاة الزوجة أو الزوج، وخلصا في أبحاثهما إلى أن الصدمة العاطفية التي يتعرض لها تتسبب بإصابته بما يسمى (متلازمة القلب المنكسر) والتي تنتهي غالبا بالوفاة، وقد رجحت هذه الدراسة كفة العاطفة لدى الرجال، فيما أظهرت أن موت أحد الشريكين بعد معاناة طويلة مع المرض لا يزيد من احتمال وفاة الشريك الآخر بعكس الموت المفاجئ الذي يولد الحزن والصدمة ويدفع الجسم إلى إفراز المزيد من الأدرينالين وهرمونات التوتر القاتلة.

والله يا نيكولاس أنت وخويك فليكس ما أدري وش أقولكم، والا من فين أبدأ الكلام معكم، أجل تقولون أن الواحد يموت بعد فترة وجيزة من فقدانه شريك حياته، يا رجال أنت وياه تعالوا عندنا أسبوع بس، إذا ما غيرتم نظرتكم ورميتم أوراق بحوثكم على حطب المدفئة أو فتحتم الدريشة وطيرتموها وسط ضحكاتكم الهيستيرية!؟

عندنا يا نيكولاس ولا يهون فليكس، ممكن الواحد يموت عليه نصف عائلته بحادث مفاجئ، ومع ذلك تجده طبيعيا ومتماسكا خلال مراسم الدفن والعزاء، فيخطر ببالك أنه من قوة الصدمة لا يزال غير مدرك لما وقع عليه، وتتوقع بأنه سينهار ويعتزل الناس أول ما يرجع البيت ويرى حجرة وحاجيات من فقدهم، لكنك ما تلبث أن تجده في صباح اليوم التالي يصور السنابات ومقاطع الفيديو على الفطور ويرسلها بكل القروبات والمواقع، وبنفس الأسلوب يستكمل هوايته طوال النهار فيبث لجميع المتابعين الفضوليين كل ما يجري في محيط منزله وهو يعلق عليها بكل وعي وفصاحة!؟

المشكلة أن هذه التصرفات الصبيانية التي لا تشكل التعبير الأمثل لمدى الحزن الذي يفترض أن يكون عليه الإنسان المكلوم، تلقى رواجاً وثناءً منقطع النظير لدى مرتادي مواقع التواصل، منهم من يصف فاعلها بالصبر والحكمة، ومنهم من يرى في سلوكه دلالة عميقة على قوة إيمانه، فيما قد تلاحظ قلة قليلة من الناس المحترمين أن هذا التصرف خاطئ جداً لكنها سرعان ما تعود لتبريره مرددة بأن الحزن في القلوب وأن الدموع لن تعيد من هم تحت التراب!!

نصيحتي لك يا نيكولاس إذا قدر لك وجيت عندنا، أن لا تطيل البقاء، لأنك لو فقدت صديقك المخلص فليكس هنا، ومهما كانت الوفاة مفاجئة، فلن تستطيع البكاء والحزن عليه طويلاً، لأن هذا الأمر يعتبر عيبا ويفقد الرجل شموخه، قد تضطر لتبادل القصص الطريفة عن المرحوم والجموع لا تزال على صعيد المقبرة، قد تضطر لمقابلة ابتسامة المعزين بمثلها، المهم أنك بالأخير لن تستطيع التعامل مع هذه الفاجعة بمثل تلك المشاعر الإنسانية الفياضة التي صورتها في بحوثك، والمصيبة لو قرروا الدكاترة الي ناقشوا رسالتك الحضور لمواساتك، لأنهم ما أن يربتوا على كتفك وينتهوا من أداء الواجب حتى يطالع كل منهم للآخر ويهمس في أذنه (من جينا ونيكولاس شغال سنابات.. ولا كأن أحد مات عليه)!؟