بنى بعض الباحثين مقومات التغيير الاجتماعي على ما يتداوله المستخدمون للواقع الافتراضي بين الرأي والرأي الآخر، حتى وإن كان هذا الواقع يحمل الكثير من الأفكار الثرية تعبيرا عن ارتفاع الوعي لدى الفرد إلا أنه لا يعتبر مقياسا حقيقيا للرأي والرغبات والميول العامة، في الحالة التي يختلف فيها نمط الحياة للمستخدم بين واقعه وما يعبر عنه، كذلك في ظل سيطرة الحالة الانطباعية المحكومة بالعواطف حين التعبير عن الرأي وما ينتج عنها من ردود الأفعال.

سنجد أن وسم (رفض المجتمع للحفلات الغنائية) يعتبر من أكثر الآراء شهرة وتداولا على وسائل الاتصال برغم ما يحمله من التناقضات، لكنها في الوقت نفسه إحدى الدلالات التي تشير إلى أن الواقع الحقيقي لا يعبر عنها، كذلك من ينشطون بالكتابة والرأي اصطفافا مع هذا الرفض أو ضده لا يعبرون عن سائر المجتمع ولا هم يمثلونه، ويظهر ذلك في الإقبال الكبير لحضور آخر الحفلات التي أقيمت في مركز الملك فهد الثقافي، مما يعني أن البناء على الأفكار المتداولة للتأثير في الرأي العام أو القياس بناء عليه ليس أسلوبا ناجحا طالما لم ينعكس من الواقع ولم يؤثر عليه، في الحين الذي لم تعط فيه تلك المساحات تأثيرا حقيقيا وإنما بقيت مساحة تحتضن الإثارة والنقد الساخر وأساليب النيل من الآخر بأسلوب يسيطر فيه النزاع والحزبية.

الفرق بين ما هو مفترض وما هو موجود على الواقع يتمثل في مدى صحة تلك الفكرة والرؤية التي يفكر فيها الفرد ويراها بعينه وليست تلك التي يراها من أعين الآخرين كيفما عبروا عنها، فالتنفيذ الحقيقي للأفكار يأتي من الواقع وليس من إثارة الجدل حولها، كذلك هو يبنى على مدى قدرته في تحقيق مصالح مشتركة تساهم وسائل الاتصال في تفعيلها إيجابا على الواقع، وفي إمكانه تحقيق أهداف إنسانية مختلفة إذا تم توجيهه توجيها سليما ليكون انعكاسا مشرقا للمجتمع، بكل الإمكانات التي تساعد في مسؤولية الفرد عن رأيه ومدى إسهامه الحضاري لتعزيز القيم والأخلاق.

الواقع أن المجتمع يرفض الشيء من جانب ويقبله من جانب آخر، هذه سنة الاختلاف، لكنه ليس من الحق التعبير عن حالة المجتمع بشكل عام، فكل الأشياء المتاحة ليست مفروضة ولا مرفوضة وإنما يحكمها حرية الاختيار.