تدير الدولة القضايا الدينية والشرعية وفق مستويين: الشرائع والعبادات والأحكام التي يستلزم تنفيذها سلطة وقوة والتي تقوم على التفاعل بين الأفراد كإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحج والوعظ، ولذلك لدينا وزارة للشؤون الإسلامية وهيئة للأمر بالمعروف ومصلحة للزكاة لأن تلك القضايا إذا ما أدارها الأفراد أدى ذلك إلى تدافع وتنازع وصراعات لا تنتهي.

المستوى الثاني: تلك الشرائع والعبادات التي لا تقوم على تفاعل بين الناس وإنما هي أمور فردية كالصلاة والصيام والتقوى، هذه لا تديرها الدولة ولا تتدخل بها فلا توجد وزارة للصيام ولا هيئة عامة للصلاة مثلا، وفي المستوى الأول قدمت الدولة تجربة متميزة واستطاعت مع مرور الزمن تحديث تلك المؤسسات الشرعية بحسب الاستحقاقات والمراحل المتغيرة (كان آخر تلك التطورات الإيجابية القرار الصادر في أبريل من العام الماضي بتنظيم عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

الآن وفي ظل هذه المتغيرات الواسعة وسعي الدولة باتجاه إعادة بناء التنمية والاقتصاد والعمل وفق رؤية مستقبلية واعدة يبرز نوع جديد من الاهتمام الذي يجب أن يوجه لأفكار وقيم الفقه بما يجعله أيضا في حالة تطور واستيعاب للمتغيرات، فإذا كنا نطور باستمرار مختلف المؤسسات ذات المهمات الشرعية فقد حان الوقت لتطوير المؤسسات المعنية بالأفكار والأحكام الشرعية.

وبما أن الدولة لا يجب أن تنشغل بـ: كيف يفكر الناس، بل كيف يتصرف الناس، تصبح العناية بتلك المؤسسات الشرعية أكبر داعم لبناء تفكير فقهي وشرعي رشيد يؤثر في القناعات وينعكس بالتالي على التصرفات والسلوكيات المجتمعية؛ بمعنى ألا تكون ممانعة بعض الشرائح الاجتماعية لقضايا تنموية مستجدة ممانعة شرعية فقهية تستند لرأي المؤسسات الشرعية الرسمية.

ومثلما أدارت وطورت الدولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأدارت الوعظ والإرشاد والجهاد، فقد حان الوقت لأن تدبر الدولة وتطور مؤسسات الفقه والأحكام الشرعية. يتم ذلك بالتوازي مع مرحلة جديدة لا تجد فيها المؤسسات ذات المشاريع التنموية التي قد تجتذب خلافا في الشارع؛ لا تجد نفسها في مواجهة أمام شرعية ما تقوم به، ولأن الإبقاء على تأثير المؤسسات الشرعية قائما يستلزم منها أن تكون موازية لوعي الشارع الذي بات متقدما عليها، فإن إصلاحها وتطوير خطابها هو السبيل الأبرز لمنع أية جفوة بينها وبين الشارع.

إننا آخر بلد في العالم يحتاج أن تطمئنه مؤسساته ووزاراته بأن كل ما تقوم به سيتم وفق الضوابط الشرعية؛ لأننا ندرك أن التدين جزء أصيل من قيمنا لا حاجة للتلويح به مع كل قرار.

إننا نشكك بالتزامنا بالضوابط الشرعية كلما أخذنا في تكراره أمام أي استحقاق تنموي أو اجتماعي جديد، وتكررت هذه النغمة كثيرا حتى باتت توشك أن تفقد معناها؛ وأصبحت ملازمة لكل إجراء جديد وغالبا ما تأتي على ألسنة مسؤولين في قطاعات يستلزم نجاحها الدخول في مشاريع وإجراءات جديدة، وفي الواقع أن هذه العبارة لم تعد تمنح الطمأنينة للخائفين من كل جديد بل أصبحت تمثل قيدا على أداء تلك الجهات؛ فلا الضوابط الشرعية فهمها واحد كالضوابط المرورية مثلا ولا الذين يفسرونها محصورون في جهة واحدة أيضا.

الحل إذن في بناء وتطوير خطاب فقهي يمثل ذراعا داعمة للتنمية والمستقبل والرؤية الوطنية.