الصحة العامة لأي مجتمع ليست فقط في توفر الرعاية الصحية ومستوياتها بكل أهمية ذلك، لكن قبل ذلك في الثقافة الصحية بمعناها الشامل؛ أي ثقافة الغذاء والنظافة وإرادة العلاج وصحة الأمومة والطفولة والوعي بالأمراض الوراثية والوبائية والعوامل المسببة لها، وهو ما يعني الوقاية. وفي هذا نجد بعض المجتمعات تأخذ بأسباب الثقافة الصحية بالمفهوم الواسع، وتزيد عليها اهتمامها بحقوق المريض وذوي الاحتياجات الخاصة وتوفيرها، ومتابعة الأبحاث وغرس هذا الوعي لدى الأجيال حتى تجاه الأطفال، انطلاقا من أن (الوقاية خير من العلاج) كأساس لثقافة الحياة والعافية.

بطبيعة الحال لا يخلو مجتمع في العالم من الأمراض العادية والمزمنة وحتى الخطيرة، لكن الوعي المجتمعي تجاهها يسهم في مستوى التعافي والصحة العامة. وبعض الأمراض تحتاج إلى مسؤولية أكبر ليست فقط في الرعاية الطبية إنما إيجابية المجتمع تجاه شرائح من المرضى كالمصابين بمرض نقص المناعة، وفي هذا نجد مناسبة اليوم العالمي للإيدز وقد مرت قبل نحو شهر تحت شعار (الكرامة فوق كل اعتبار) فما صدى هذا اليوم العالمي وغيره في المجتمع والبرامج التي خاطبته، وماذا بقي منها ولو من شعارات تذكيرية عن المرض وحقوق المرضى؟

طبقا لوزارة الصحة، بلغ العدد التراكمي للمصابين بالإيدز على مدى 31 عاما 22952 حالة، منها 6770 سعوديا و16182 من غير السعوديين، وخلال عام 2015م فقط، تم اكتشاف 1191 حالة جديدة مصابة، منها 436 لسعوديين، و755 من غير السعوديين، مع الإشارة إلى انخفاض الحالات المسجلة بين السعوديين. ونحمد الله أن الخدمات الوقائية والعلاجية متوفرة، واكتشاف الحالات مبكراً، وتوفير الرعاية النفسية والتأهيلية للمصابين وأسرهم في المراكز العلاجية المتخصصة والرعاية الصحية الأولية، وتيسير الحصول عليها بصورة تضمن السرية والخصوصية، وإجراء العديد من البحوث والدراسات.

اليوم العالمي للإيدز ركز على قضايا الوصم والتمييز المتمثل في النظرة السالبة لمريض الإيدز والفئات الأكثر عرضة للإصابة بالمرض ولمخالطي المصابين والانتقاص من حقوقهم. لذا ما يهمنا هنا هو دور المجتمع تجاه مرضى نقص المناعة وذويهم، وأقصد التوعية بحقهم في حياة طبيعية ويكفيهم وطأة المعاناة، وهي مشكلة في مجتمعنا كحال مجتمعات كثيرة، بسبب مخاوف لا أساس لها من الصحة بشأن العدوى، ومن ذلك التعامل وحق العمل، وكذلك من هم في مراحل دراسية مهما كان عددهم قليلا.

معروف أن أسباب الإيدز عديدة وليست بالضرورة جميعها محل اتهام أخلاقي جنسي أو مخدرات، بل كثير منها يكون المريض ضحية إهمال من الغير أو عدم وعي أو زواج كان فيه أحد الطرفين حاملا للفيروس عن علم أو جهل به، ويكفي تأثير إصابة أحد أفراد الأسرة وقد يكون طفلا على استقرارها النفسي، فكيف بالمريض وهو يواجه عقابا اجتماعيا، ليجد نفسه خارج النسيج الاجتماعي ويعيش في سرية مع المرض ويحتاج لإرادة قوية وتأهيل نفسي للتغلب عليه حتى إن عاش الفيروس فيه لفترة. فمن واجب المجتمع أن يساعده على مراحل العلاج والحياة، ولا يحرمه من الغطاء والوداد الاجتماعي.

ما أقصده هنا التوعية المطلوبة تجاه المرض والوعي الإيجابي بحقوق المريض، فإذا كان في المجتمع حالات إصابة فكيف تغيب التوعية حتى في البرامج المدرسية والإعلامية، ولا نتذكر إلا في كل يوم عالمي سنوي لمكافحة الأمراض أو حقوق المرضى. نسأل الله الشفاء لكل مريض والصحة للجميع.