لم يلجأ الغرب لوضع نظرية (القراءة المتجددة للنص) إلا بعد أن ذاق الويلات من تراثه وتاريخه ومروياته. وتجرع المرارات ببركة رموزه ورجال دينه طيلة ثلاثة قرون. عاش خلالها حروبا واقتتالا بين طوائف، ونزاعات بين أفكار تستند إلى موروث عريض مليء بما يشغل الناس ويحرضهم على بعضهم ويسوّغ القتل بتبريرات باردة.

كنت مع صديق نستعيد الكتب التي حفظت تاريخ البشرية عموماً والمسلمين خاصة. ودعوته لفتح صفحات من (البداية والنهاية لابن كثير) إذ يبدأ المؤلف بقوله «ثم دخلت سنة كذا» ثم يبدأ يسرد عدد القتلى والمعارك في تلك السنة. ما يشعر الإنسان أن عنوان مجموع الحضارة الإسلامية طيلة 13 قرنا حروب وسفك دماء وضحايا.

ثم دعوت الصديق إلى بعض كتب التراجم التي تغفل ربما دون قصد أي جانب إنساني لمن تترجم له. وغالبها إن لم تكن جميعها تتجاهل مرحلة طفولته. وتتعمد إغفال تفاصيل البلدان التي عاش فيها كون الحديث عن جمالية المكان يؤنسن الشخصية وينقل للقارئ شيئاً من البعد الأخلاقي.

بالطبع كثيراً من أزمات المسلمين اليوم مردها كتب التراث التي يمكن وصف بعضها بالقاتل نظراً لما تنطوي عليه الصفحات من بث كراهية وتحريض على العنف وتبرير للعدوان من خلال إبراز فتاوى علماء أجلاء ربما أيضا يكون بعضها منسوباً إلى العالم وليس موثقاً. ما يمنح البعض متكأ وهو يتبنى التطرف. ويمارس الإرهاب. بذريعة أن القرون المفضلة. وهم أصلح منا اقتتلوا وتحاربوا وسفكوا دماء بعضهم.

لستُ في مقام العداء لكل تراثنا. أو أتبنى الاستهانة أو الاستخفاف بكل ما حفظته المكتبات عبر قرون. لكني ضد التقديس الأخنى. والتقليد الأعمى. إذ إن التراث متعدد المشارب. والأفكار. والرؤى. والتوجهات. بل والانتماءات. وليس كل موروث مقدّس. وهناك ملابسات تاريخية تجعلنا ننظر إلى التاريخ بمنظار الشك.

وبما أن توثيق المرويات ضعيف. وبعض النصوص مرتهنة لزمنها ومكانها وسياقها الاجتماعي. فمن الضروري التوجه نحو نظرية القراءة المتجددة للموروث عموماً. إذ منه ما هو قابل للاستنطاق مجدداً وإن بتأويله ليتماشى مع عصره ومصره. وتفادياً للصدامات التي وقع فيها من سبقنا.

الموقف الناقد للتراث ليس موقفاً من الماضي. بل من الحاضر. الذي نخشى أن يستمر ضحية للماضوية. علمي وسلامتكم.