ماتت أمه في سن مبكرة. إثر حمى نفاس. ولم تجد شقيقتها الكبرى بداً من رعاية اليتيم. الشيمة ما أعطتها تخليه عرضة لإهمال أبيه. وصلف زوجته الجديدة. فأحسنت إليه. ووجد عندها من الحليب الطازج والتمر والزبيب واللباب ما ردّ خصّته.

تعلق بخالته. وظهرت عليه آثار السمنة مبكراً. ذات ظهيرة كانت صافية طالعة من السفل بغضارتها الطافحة بحليب بقرتها المبروكة. كان يتدحرج وراءها كما العكة. يمسك طرف ثوبها. صاحت فك إيدك لا تخنطلني خنطلوا بك. تصلفق شيء من الحليب على صدرها. رددت عندكم يا سكون. وشبك يا ولد بقعا. كان أنخاً. قال: أبغي أشغب.

دخلت إلى الشقيق. استقربت شكوتها. طغ الطفل الشره بخشمه وبراطمه وشفط ربع الطاسة. لحقتها سريعاً وأفرغتها مع بسم الله في الشكوة، وأضافت إليها بعض الروب من حلّة مجاورة وبدأت تحرك الشكوة المدلاة من حبل إلى الأمام والخلف وتمخض. كانت عينه مركزة على فم الشكوة. ينتظر بفارغ الصبر اللبن والزبدة.

كبر الصغير. وانتقل للعيش في كنف أبيه الصحوي. ربّاه على أدبيات الصحوة خصوصا الصياح فوق المنابر. تناسى فضل البقرة الحلوب والخالة الودود. وقطع صلة الرحم التي يدعو الناس إليها كل جمعة. بل كان يغتاب خالته لأنها لا تلتزم بحجاب ولا تتورع عن محادثة الرجال. اشتغل على الوعظ يتنقل من قرية إلى قرية. وكلما ورد على قرية أوصى مريديه بإعداد وجبة دسمة على شرفه ومعها طاسات اللبن.

اكتشف القرويون زيف الصحويين من بدري. وذابت المكانة تدريجياً. ولم تعد صحاف العيش وتباسي الرز وجوالين اللبن وحليب البل تصف أوانيها في حضرتهم. فقد التموين للكرشة المنتفخة. وتلبسته حالة القلق. تذكر الخالة وبقرتها.

تعمد أن يزورها بعد صلاة الظهر. فوجدها تندر قدرها من فوق الغاز. وبدأ المديح لطبخها وللبن بقرتها. وفي يوم تال جاء ومعه فريق من الصحويين. التهموا غداء المسكينة. واستندروا الشكوة وأتوا على ما فيها. تجشأ وقال هو والرفاق «أكل طعامك وشرب لبنك الأبرار». ردّت «والله ما شفت ولا أبرار. ما أكل طعامي وشرب لبني. إلا أنتم خلوا الأبرار علمهم عند الله». علمي وسلامتكم.