هاج المتغطرس بنيامين نتنياهو وماج، وأرغى وأزبد، وهدد وتوعد، وكان من نتائج هذا كله أن وافق مجلس النواب الأمريكي بأغلبية كبيرة على نص يندد بقرار مجلس الأمن، وحظي هذا القرار الأمريكي بتأييد 342 صوتا مقابل 80 صوتا، فغالبية الكونغرس الأمريكي من الجمهوريين الذين يؤيدون إسرائيل في كل سلوكياتها الإجرامية في الأراضي العربية المحتلة، ويطالب قرار الكونغرس مجلس الأمن بسحب قراره – أي والله، ويا لها من بجاحة وغطرسة – أو تعديله، كي لا يظل أحادي الجانب ومناهضا لإسرائيل، ويتيح التوصل إلى حل النزاع عن طريق مفاوضات مباشرة بين الطرفين: الإسرائيلي والفلسطيني.

القرار الأمريكي يضرب بالشرعية الدولية عرض الحائط، ويعد تدخلا سافرا في اختصاصات المنظمة الدولية، كما يفتح الباب أمام برلمانات دول أخرى لكي تحذو حذو الكونغرس الأمريكي، فلا غريب أن يخرج علينا «الدوما» الروسي بقرار مماثل في قضايا أخرى.

كما يعكس القرار الأمريكي إرهاصات لملامح المرحلة القادمة في ظل رئاسة السيد ترمب، وهو ما ينبغي أن يضعه العرب في الحسبان.

ومن العجيب أن يتذرع قرار الكونغرس الأمريكي بأن مثل هذا الموقف الأممي من قبيل المواقف «الأحادية الجانب»، ولم يتحرك الكونغرس الموقر لكل تصرفات إسرائيل الأحادية الجانب على عدة عقود، أما العزف على وتر «حل الدولتين» فقد أصبح نغما رتيبا مملا، فلا حل للمشكلة، ولا وجود لدولتين، طالما وجدت برلمانات ودول متغطرسة، وطالما ظل العرب والمسلمون في خلافاتهم وصراعاتهم منشغلين عن الخطر الصهيوني الأكبر.

كنا نقول بسخرية: إن إسرائيل هي الولاية الأمريكية الثالثة والخمسين، ولكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة ليست بأمريكية، بل هي إسرائيلية، وهذا ما عكسته سياساتها، جمهورية وديموقراطية، منذ قيام الدولة الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وعلى الجانب الآخر، على جامعة الدول العربية، والمنظمات الإسلامية وغيرها، أن تدعم الموقف الفلسطيني، وتحسن استغلال هذا القرار الأممي لمجلس الأمن، إذ يمكن القيام بتحريك قضايا جنائية ضد قادة الاحتلال وزعمائه، كما يمكن استغلاله كذلك، على المستوى الاقتصادي، وإصدار قرارات دولية وإقليمية تحظر استيراد منتجات المستوطنات، باعتبارها أراضي محتلة، ومن ثم نضرب العدو الإسرائيلي في مقتل.

التحرك العربي والإسلامي ممكن، بالرغم مما نحن فيه من مآس وما نمر به من أزمات، فلنفعل شيئا من أجل فلسطين، قبل أن تلعننا الأجيال القادمة على تفريطنا في الدفاع عن أرض أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فهل يدرك أصحاب القرار ذلك؟ وهل يحسنون استغلال القرارات وتوظيفها، ولو لمرة واحدة؟! آمل ذلك.