يبعث إليّ بصوره عبر مقاطع فيديو وهو يتنقل بسيارته من حي الشيخ عثمان إلى التواهي في مدينة عدن الساحرة وخلفية المقطع أغنية بصوت الفنان حسين الجسمي أهداها أخيرًا لليمن تقول كلماتها: حبي لها رغم الظروف رغم المحن، حبي لها أمي سقتني إياه في وسط اللبن (الأغنية من كلمات الشاعر اليمني حسين أبوبكر المحضار)، هذا الصديق اليمني من عدن دائما ما يختم مقاطع الفيديو التي يرسلها لي بكلام يدور في مجمله حول فكرة واحدة: لقد كدنا نفقدها، ليست عدن فقط بل اليمن بأكملها.

أعيد مشاهدة مقاطعه اليوم ومشروع التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن يقترب من دخول عامه الثاني، نعم إنه مشروع وليس مجرد حرب أو معركة عابرة، والمشاريع الكبرى لا تتوقف عند جانب واحد وليست مرتبطة بزمن واحد، ومنذ أربعينات القرن الماضي ودول الخليج والمملكة تقف مع اليمن ولليمن ومن أجل استقراره الذي لا ينفصل عن استقرار المنطقة.

لكن ماذا لو لم تنطلق العاصفة ولم يدشن التحالف هذا المشروع الإستراتيجي من أجل اليمن؟

المشاهد التي يتم تسريبها من زنازين الاعتقال والخطف والتعذيب التي تقوم بها ميليشيات الحوثي وصالح في صنعاء والتي لا تتجاوز مساحاتها أمتارا معدودة كانت ستصبح بحجم اليمن كله، كان اليمن مشروع زنزانة كبيرة ليس لقوة قادمة من الخارج ولكن لميليشيا في ظاهرها أنها من الشعب اليمني لكن كل ولاءاتها للخارج بل هي وكيل عن تلك القوى التي لا ترى في اليمن سوى إنسان جائع وموقع إستراتيجي يجب السيطرة عليه من أجل معارك إقليمية أكبر.

مشاهد الجوع التي تتسبب بها تلك الميليشيات وهي تنهب المساعدات الإنسانية القادمة إلى المحاصرين في أحياء بعض المحافظات اليمنية، كانت ستمتد على كل البقعة اليمنية، وستصبح عدن وصنعاء وتعز ومأرب وإب وحضرموت وشبوة، تلك المدن المعروفة بوفرة الخير والطبيعة الخضراء والزراعة، مدنا يطحنها الجوع والقمع والأسى.

أولئك الشباب الذين ثاروا في وجه نظام صالح وتلك الدماء التي أراد صالح أن تجري تحت كرسيه وباع من أجلها اليمن وتحالف مع أعدائه كانت ستشهد استمرارا يتجاوز ميدان السبعين في صنعاء لتصبح كل اليمن ذلك الميدان.

بدأ التحالف مشروعه في اليمن بداية مبكرة، كانت الثورة في اليمن ستنتهي إلى مواجهات حتمية وأكثر دموية بين قوات صالح والمتظاهرين المطالبين بإنهاء حكمه، راقب الخليج كل ذلك بقلق شديد فكانت المبادرة الخليجية هي الخطوة السياسية التي تحمل رؤية واضحة تحفظ دماء اليمنيين وتمنع البلاد من الانزلاق إلى الفوضى ومواجهة المصير الليبي أو السوري. لكن اليمن التي كانت مشروع استقرار بالنسبة لأبناء اليمن وللخليج لم تكن كذلك بالنسبة لصالح وللحوثيين الذين كانوا يَرَوْن فيها مشروع حكم وتحالفات ميليشياوية، الحوثيون من أجل تحقيق رؤيتهم العقائدية الإيرانية وصالح من أجل البقاء في السلطة ولو على جماجم وعظام اليمنيين فتم الانقضاض على الشرعية ومحاولة اغتيال الرئيس الشرعي والسيطرة على كل المؤسسات ونهب موارد الدولة ومحاصرة ما يمكن حصاره من المحافظات والقرى وتجويع أهلها وتخويفهم بحملات الاعتقال والخطف والتعذيب.

كان مشروع التحالف هو المشروع الموازي الوحيد الذي يمكن أن يوقف مشروع الميليشيات المسلحة، تحرك المشروع بذراعين: عسكري وإنساني، واستعاد معظم اليمن من خاطفيها، وأسس جيشا يمنيا بات يمثل تغيرا في موازين القوى على الأرض وحمى الممرات المائية الحيوية وانطلقت عمليات بناء مشاريع تنموية في المناطق المحررة.

اليوم وبينما يمر عامر صديقي اليمني من عدن وهو يتجول بسيارته في أحياء المدينة باتت كاميرا هاتفه تلتقط صورا لعمال بناء وتشييد وهم يواصلون بناء تلك المدينة بعد أن استعادها أهلها الذين يتطلعون لاستكمال عمليات التحرير قريبا.

ولأن اليمن بالنسبة للتحالف ليست معركة عابرة، بل هي مشروع مستمر، ففي اليوم الذي سينسحب فيه آخر جندي من جنود التحالف سيحل مكانه مهندس سعودي وطبيب إماراتي ومستثمر بحريني، لتتواصل عملية بناء يمن من أجل اليمنيين ومن أجل المنطقة كذلك.