تألمنا كثيرا من الجريمة الإرهابية البشعة التي استهدفت مطعما في إسطنبول ومن بين الضحايا عدد من السعوديين، راحوا مع غيرهم ضحية لهذا الغدر، وآلمنا كثيرا أن ينجرف البعض في التشويه للضحايا دون علم وتدقيق، ولم يهتز لهم جفن من بشاعة الاعتداء ومأساة الضحايا وذويهم، وخاض سفهاء غمزا ولمزا، وتناسوا بشاعة الجريمة الإرهابية ولحظات الصدمة ورعب الغدر. وهنا نترحم على ضحايانا ونعزي أسرهم وذويهم، وقد تلقوا واجب العزاء حضوريا، وصادق مشاعر المواساة من المجتمع بكل مافي ذلك من مشاركة عميقة الأثر والدلالة.

في غمرة المأساة تطل ملهاة بوجهها القبيح، ويوما بعد يوم يصدمنا غثاء العالم الافتراضي بسفهاء الكلام وجهالات وتنطع، ويتكشف حجم الإهمال لتعاليم ديننا الحنيف التي هي أساس كل فضيلة قولا وعملا، والسبيل القويم لدرء كل مفسدة، من عثرة اللسان حتى نزق العقل وضلال الفكر والإفساد في الأرض.

هكذا عكست مرآة شبكات التواصل الافتراضي غثاء النفس وأدرانها عند البعض ممن أطلقوا العنان لألسنتهم بكلمات خبيثة، والنميمة الإلكترونية أسرع من الصاروخ وأبشع تدميرا للقيم، وهذا ليس بجديد على ما تعج به تلك الوسائل على مدار الثانية ما بين مُرسل ومتلقٍ وفوضى نشر إساءات مؤلمة، وأخشى أن نترحم على القيم رغم ما بين أيدينا من النبع الصافي لديننا الحنيف في حسن الخلق والنوايا والظن بالناس.

للأسف البعض ينصب نفسه قاضيا بغير صفة ولا منصة ولا مسؤولية ولا ضمير، ويصدرون أحكاما على الناس بهوى الرأي، ومن ينتقد بغير علم ولا حقيقة ويفضحه الجهل وتدني الخُلق، ونجد كثيرين يهرولون إلى الخوض في كل شيء من صغائر الأمور إلى عظيمها، والنهش في الأعراض، بدلا من البحث عن ما يفيد ويضيف إيجابية، وتحري الدقة. قال صلى الله عليه وسلم:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت...» فأين هؤلاء من هذا التوجيه النبوي، وهل راجعوا صدق إيمانهم في قولهم.

عثرة اللسان أصعب وأخطر من عثرة الأقدام، ولكن أنّى يمكن إصلاح سفه العقل وبذاءة اللسان، فالكلمة تمرق كالسهم وتصيب من تصيب والسهم لا يعود وهذا هو حال الإساءات والشائعات والنيل من سمعة الناس.فأين الأسرة من هذا العبث، وكيف يغضب أب وأم من تطاول وتجاوز أبناء بحقهم ولا يغضبون إذا تعرضوا بإساءة لآخرين، هذه الإزدواجية والإهمال التربوي والغفلة هو التشوه التربوي بعينه والتدني الأخلاقي بذاته، وللأسف تلك الأدران تنهش في استقامة وسلامة منظومة القيم.

في مجتمعات كثيرة ومنها الغرب الذي نعيب عليه أشياء ونعيب فيه، نجدهم يعاقبون على مثل تلك التجاوزات ولو كانت كلمة، بينما فينا من يطلق العنان لأباطيل وإساءات بأسماء مستعارة وهمية، الكذب والتطاول وسوء النوايا وسوء القصد عند البعض هواية وغواية. فجرائم السب والقذف والتشهير باتت أكثر انتشارا، ويكاد البعض يتنفسها كما يتنفس الهواء، غافلين عن قول الحق تعالى:(مايلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).

في الأثر (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) والعقوبات موجودة لكن نحتاج إلى تفعيلها حتى يرتدع المسيء ونحمي الأخلاق والأعراض بثقافة القانون وبالوعي التربوي والدعوي والتعليمي والإعلامي، حتى لايتآكل النسيج الأخلاقي الأسري والمجتمعي، فهل من يقظة وحراك إيجابي وعقوبات ناجزة لتكون عبرة لمن لا يعتبر؟.