لا يفتأ البعض يردد عبارة (حضارة الإسلام) إزاء حضارات الأمم المعاصرة والغابرة. والحضارة أو التحضر نتاج تحقيق الشروط الإنسانية اجتماعياً وخلقياً وعلمياً وثقافياً وفنياً. واليونان قامت على أعرق الحضارات وقدمت للبشرية خلاصة الفكر من خلال رؤى فلاسفة تنويريين ضحوا بأرواحهم في سبيل إخراج الناس من ظلمات الوعظ إلى نور العقل.

الحضارة مصطلح مديح وإطراء ارتبط توصيفاً بأرقى مراحل تطور الإنسان وتهذيبه وإعلائه شأن القيم الروحية والفضائل الأخلاقية. وكما نصف إنسانا بكائن حضاري لأنه أعجبنا، فنحن نطلق مصطلح الهمجية مقابله على كل من يتجاوز بلفظه أو سلوكه حدود الآداب العامة والحقوق المكفولة لكل إنسان بحكم إنسانيته، وبصرف النظر عن الأوصاف الإضافية المستحق منها والمبالغ فيه.

في القرن الثامن عشر أطلق فولتير وصف (حضارة) على المشتغلين بتنمية العقل والذوق، وذهب إلى أن الحضارة تقوم على ذكاء الوعي وحياة الضمير. فالضمير الحي يمنع صاحبه من الغلط أو الظلم. ويرى أن مولد الحضارة الحقيقي بدأ مع تحقق الوعي ونقاوة الضمير. وبما أن الحضارة مفهوم إنساني فإنها تتساوق مع حياة الإنسان ولادة وشبابا واكتمال رجولة، إلا أن الحضارة الأصيلة لا تشيخ كون مفكريها يشتغلون على نقد مشروعها ومراجعته لتلافي أسباب الضعف والموات.

بعضنا يتغنى بحضارة قد لا نرى تمثلاتها على أرض الواقع إلا سفكاً ودمارا، علماً بأن أبرز ملامح الحضارة يتمثل في انتصار الإنسان على وحشيته وتمسكه من الأخلاق بما هو أنقى وأرقى وأبقى، ثم تحقيق المنجزات التي تسعد البشرية وتمكنهم من حياة جيدة ومرفهة، إذ إن الله عندما اصطفى آدم وذريته واستخلفهم في الأرض أرادهم لعمارة الكون وخدمة الإنسانية، وتقديم صورة مثلى عن كائن أسجد الله له ملائكته، ونفخ فيه من روحه، وزوّده بالعقل الذي يصفه مفكرون بأنه نبي داخل كل إنسان.

إذا كنا منصفين ونتمتع بشفافية، وسألنا أنفسنا هل نحن على مستوى فردي نتمسك بأخلاق راقية تدهش غير المسلمين وتدفعهم للتعلق بديننا والدخول فيه أفواجاً؟ وهل قدمنا على مستوى جمعي ما يخدم الأمم والمجتمعات ويحسن أحوالها ويحفظ حياتها؟ الإجابة الصادقة ستحدد موقعنا بين الحضارات وتضع الحقيقة بين أيدينا إن كنا حضاريين أم واهمين. علمي وسلامتكم.