اصطفت عصافير القرية فوق أغصان اللوز لتموسق خطى البراءة وهي في طريقها إلى فصول التعلم. بدأ العام الدراسي. وتعيّن في مدرسة القرية الابتدائية عدد من المدرسين من جنسيات مختلفة. إضافة إلى معلمين من قرى مجاورة. سكن المعلمون عزبا داخل القرية. وكانت لهم طقوسهم. ولطالما انبعثت من قدورهم روائح الطبيخ. ومن شبابيك عزبهم أصوات المذياع.

أحد المعلمين الوافدين لم يكن مُلّما بأعراف القرية وتقاليدها. كان معجبا بنفسه. يلبس ثيابا ملونة. ويختار مواقع تجمع النساء عند الآبار وفي الأودية ليلقي التحية والسلام. شعر أحد الأزواج أن الوافد يبالغ في تودده وقربه. خصوصا أنه شديد العناية بابنه الطالب في المرحلة الابتدائية. وكل يوم يُحمّله السلام «سلّم على الوالد. والوالدة».

قالت الزوجة لزوجها: الطحين غلّق. وبكرة عندي مشاغل كثيرة، الله لا يهينك تتولى الطحن على الرحى أنا دفعك. انقدحت في ذهن الزوج فكرة. قال لزوجته: بلّغي ولدك يعزم المدرس المزبرق. ويقل له تعال البيت بكرة الضحى. ويوجه الدعوة باسمك. ردّت عليه «خاف الله يا رجال» قال: ما عندك خلاف أنا موجود.

انطلق ابنهم لمدرسته مبكرا. صافح معلمه. وأبلغه أن أمه تنتظره في فسحة الضحى ليتناول الإفطار والقهوة. فانفرجت أسارير وجهه. وكاد يطير فرحا بهذه الدعوة الرومانسية. وضع الزوج وزوجته خطة. أبلغها أنه بيسرح الوادي. ويراقب حضور المعلم. وعندما يدخل. تغلق الباب. وسيطرق عليهما، وتقول للمعلم أدخل عند الرحى. وألبس العباءة. وأبدأ الطحن.

جاء المعلم بثوبه الأسود. وشعره المجعّد. ودخل البيت. ولم تمض ثوانٍ حتى جاء الزوج فرفعت الزوجة صوتها. جارتنا عندنا لا تدخل. سأل: كيف لها عندك تالحزة. أجابته: فزعت تساعدني في الطحن على الرحى. تربع عند الباب وطلب القهوة.

أوصت الزوجة المعلم بأن لا يتوقف عن الطحن حتى لا يثير شبهة تغدي برقبته. استمر يدير حجر الرحى الثقيل حتى طحن كيسا كاملا، ومع حلول وقت صلاة المغرب ذهب الزوج للصلاة. وأخرجت الزوجة الطحان المغبّر. قائلة «أشرد لا أحد يشوفك».

مرّت أيام والمعلم متجاهل الطالب. لا ينظر إليه ولا يحمله سلاما. وذات صباح قال الطالب للمعلم: أمي تسلّم عليك. فردّ عليه «الله يصوعكم أمداكم خلّصتم كيس الطحين». علمي وسلامتكم.