يروى أن الأمير الشاعر امرأ القيس الذي تمرد على والده وآثر حياة الحرية في البرية على تقييد حياة القصور وبعد مقتل والده وتفريط إخوته بالأخذ بثأر والدهم تحمل هو عبء تكوين جيش للأخذ بثأر والده ومساعي الثأر وتكوين جيش أخذته إلى الروم فلما أنهك نفسيا من كثرة مشاق مساعيه قال:

وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب

ويعني أن طموحه ومساعيه التي أشقته بكثرة متاعبها ما عادت فعليا هدفه وبات يرضيه ويكفيه كمكسب أن يمكنه فقط العودة إلى حاله السابق، وهذه عبرة كبرى لم يستوعبها العالم والمسلمون ولهذا مازالت الجماعات والميليشيات الإرهابية تتكاثر وتشقي الناس وما عاد الناس فعليا يبالون بكل الشعارات التي جعلتهم ربما يوما ما يتعاطفون مع تلك التنظيمات ويؤيدونها بعد أن رأوا أو حتى عاشوا جحيم أن يكونوا تحت سطوتها وتحت ردود أفعال الحكومات الانتقامية عليها كما حصل في سوريا والعراق، ولهذا بعض أشد معارضي صدام يتحسرون على مشاركتهم في خلعه لأنه مكان الرأس الواحد السيئ الذي خلعوه نبتت عشرات بل مئات وألوف الرؤوس التي تفتك بهم في كل اتجاه فبات الناس راضين بأن تعود الأحوال كما كانت ويعتبرون هذا مكسبا وأمنية رغم سوء حالهم السابق لكنه بالمقارنة هو من وجهة نظرهم كان أقل سوءا، وبالطبع هي عبرة هامة ومن الواجب استيعابها لكن تقبلها أمر في غاية الصعوبة كما هو الوضع في سوريا، فعلى ما يبدو ان الحرب في سوريا ستنتهي بمثل ما انتهت به الحرب اللبنانية، لكن بالنظر إلى الثمن الغالي من الأرواح حيث قتل وتيتم واغتصب وأصيب بإعاقات دائمة وتشوهات مروعة ملايين الأبرياء وتدمرت حياتهم العائلية والعملية وفقدوا كل شيء وكأن دمهم ودموعهم ومعاناتهم ذهبت عبثا فهذا يصعب أي تسوية، لكن الشعب السوري أنهك وبات يردد مقولة امرئ القيس ويعتبر أن المكسب الوحيد الممكن هو العودة إلى الوضع السابق ما قبل الثورة، وهذه هي نهاية كل الحروب سواء الأهلية أو الخارجية، فالحروب تتوقف فقط لأن أطرافها وصلوا لدرجة الإنهاك وبات المكسب الوحيد الذي يتمنوه هو العودة إلى حال السلم ولو بالاستسلام، فالإنسان مفطور على حب الاستقرار والأمان ولهذا الأحوال العدوانية تنهكه نفسيا قبل الإنهاك المادي وتجبره على تقديم التنازلات فقط للعودة إلى استقرار الحال السابق بعد يأسه من تحقيق طموحه الثوري أو التوسعي، ولكي لا تضيع دماء الضحايا عبثا يجب استيعاب هذا الدرس.