لا يمكن أن تنزل مرتبة الأب والجد عند الأسوياء عن مستوى القداسة. ولن تقل درجة الأم والجدة عنهما بل ربما زادت. ومع كل فخرنا بآبائنا وأمهاتنا إلى أن نبلغ أصلنا الأول. إلا أننا لم ولن نجد من يقول سأعيش على طريقة أبي. أو بقناعات جدي. ولا بذات تفكيره وتدبيره. ومن الطبيعي أن نفتخر بسلالة نسبنا السابق واللاحق لكن ليس مفروضا علينا شرعا أن نتمسك بتراث وموروث من سلفوا (قضه وقضيضه) عدا القيم الأخلاقية الإنسانية المشتركة.

كل تراث بشري قابل للنقاش والغربلة والأخذ والرد. والعادات والتقاليد ليست من ثوابت الدين بل هي أعراف اجتماعية متحولة. ونحن نعاني اليوم من انقسام حاد بين فريقين أحدهما يذهب إلى أن التراث والموروث مقدسان يجب التمسك والتنسك بهم. وآخر يدعو للقطيعة والانبتات تاريخياً عن كل ما ورثناه من السلف. وكلا طرفي الإفراط والتفريط مذمومان. فنحن أبناء عصرنا. ونحن امتدادٌ لمن سبقنا من كل البشر لا من سلالة واحدة أو عرق واحد.

لعل أبلغ ما قاله علماء الاجتماع إن في كلٍ منا آلاف الأسلاف. ما يعرف اليوم (بالجينات الوراثية) ولو أحصينا كم جداً وأباً في دواخلنا وحاولنا التعرف على رغباتهم ومتطلباتهم التي ماتوا وهم يتطلعون إليها لدخلنا في جدلية كبرى. والتقليديون في المجتمع أكثر من المنفتحين على تجارب البشر. وفي تاريخنا ما يمكن أن نفاخر به. ومنه ما دفع العالم اليوم لتحميلنا تبعات كل الشرور في الأرض. فلماذا لا نخرسهم بإبراز أجمل ما جاءت به الشريعة الإسلامية من آداب وأخلاق وتسامح؟ وكيف نسمح أن يتحكم الفقيه الضيق أفقه في شريعة الله الواسعة المعاني والدلالات والرحمة؟

إن الجهاد الأكبر اليوم ونحن على أبواب تحول وطني حضاري يبدأ من إعادة قراءة الموروث واستخلاص ما يتناغم مع روح العصر. ولن ننطلق إلى المستقبل وحبال وأثقال الماضي تحيط بنا. ولن ننجح في الانطلاق لتحقيق الرؤى والتطلعات إلا إذا صفينا إشكالات الماضي. أو تجاوزناها بوعي. فالقرآن يعلّمنا كيف نتعامل مع عصرنا بقوله (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون). علمي وسلامتكم.