كان أحد كرام قبيلة من القبائل معروفا بأصالته وحرصه على أداء المواجيب مع ربعه وبني عمه. لا يتخلف عند حدوث مكروه. ولا يعتذر عند وقوع خطب ما. إلا أن بعض أفراد القبيلة الصغار ممن اعتادوا رصد أخطاء الكبار. اجتهدوا في تكبير صغائره وتضخيمها حتى وقع ما يشبه القطيعة مع شيخ وأعيان قبيلته، فاختار العزلة مرددا (يا الله عسى ما تكره النفس خيرة).

راحت الأيام وجاءت الأيام فاضطر أن ينتقل الرجل من القبيلة إلى قبيلة مجاورة. انتقل بجسده بينما ظلت مشاعره مع إخوته وبني عمومته وعزوته. بنى له علاقات واسعة في موقعه الجديد. وفتح الله عليه من أبواب الرزق. واستعاد مكانته بين بيضان وجيه يعرفون للكريم مقامه وفضله، وينزلون الرجال منازلهم.

توفر له ما لم يتوفر له عند جماعته وبني عمه من مقام ومقال. وكما يقول صاحب المثل (من لقي خير من أهله عاض). زوّج بناته على أبناء معارفه وأصدقائه الجدد. وزوّج الأبناء من بنات القبيلة المضيفة وتعززت الروابط الاجتماعية. فأصبح واحدا منهم.

ذات يوم ضاقت عليه الدنيا بما رحبت. واسودت الأرض في عينيه. عندما طلب منه شيخ القبيلة المستضيفة أن يغيّر لقب قبيلته السابق بلقب القبيلة الحالية. لم يستطع إبداء موافقته. وقضى نهاره مكتئبا. قلّب الأمور. ودخل عليه الليل وهو في حيرة من أمره.خصوصا أن ربعه الحاليين رفعوا منزلته. وأعلوا مكانته. إلا أن مشاعره وعاطفته أبت عليه أن يذعن وذرفت عيناه غزير الدمع شوقا وحنينا إلى مرابعه الأولى.

علم شيخ قبيلته الأولى بالعلم. فأرسل المراسيل لدعوته للعودة إلى الأهل والعشيرة. فكانت الدعوة طوق نجاة خلّصه مما هو فيه. فأعد الركاب وبدأ السير باتجاه رفاقته وجماعته الذين استقبلوه وأكرموا وفادته واعتذروا عما وقع من سوء فهم وتصرف. وقال الشيخ مما قال أنت واحد منا «وما للواحد إلا رفيقه. يوم الضيق وإلا سعة». فردّ عليه الكريم قائلا «لولا ملقطي النمائم والنفاثات في العقد ما عرضت نفسي ولا عرضتكم لإحراج. وأنتم عزوتي ولبس جنبي». وكما قال المقوّل (أنا رفيقك في الليالي المعاسير. وإلا الرخى كل يسد بمكاني). علمي وسلامتكم.