«عكاظ» (جدة)
عشرون عاماً أمضاها الكاتب خالد السليمان في رحاب صحيفة «عكاظ»، لم تكفه فيها جهاتها الأربع للكتابة عن الهم الاجتماعي، فابتدع لنفسه جهة خامسة يحلق فيها برأيه الخاص وطرحه الجريء كيفما يريد، كانت أحياناً تفتح أبواب النقاش العام على مصراعيه، وأحياناً أخرى تفتح عليه أبواباً أخرى لم تزحزحه عن نهجه الذي اختطه لنفسه منذ عقدين.

وما قد يجهله كثيرون عن الكاتب «العكاظي» أنه رسم خطة طريقه إلى مجال الكتابة الصحفية منذ كان طالباً في المرحلة الثانوية، ومن موقع رئيس التحرير لصحيفة مدرسته في الكويت، إذ كان والده يعمل ملحقا ثقافياً، وصنفت في حينها على أنها صحيفة جريئة منعت إدارة مدرسته توزيع ستة أعداد من مجموع أعدادها السبعة، ما شكل جسرا له للكتابة في الصحافة الكويتية التي كانت في أوج انتشارها ذلك الوقت، فحصل على أول عمود منتظم في السابعة عشرة من عمره ونشر في صحف الهدف والسياسة ثم الأنباء انتهاء بالوطن الكويتية.

قصته مع «عكاظ» بدأت حين أرسل لرئيس تحرير «عكاظ» السابق الدكتور هاشم عبده هاشم رسالة عبر الفاكس كتب فيها أنه قرر النشر في صحافة وطنه بعد أن شعر بارتفاع سقف الحرية فيها، وكتب «لا أجد سوى عكاظ لتكون منبراً لقلمي»، وخلال أقل من ساعة تلقى رداً لطيفاً منه يرحب به كاتبا في «عكاظ»، ثم تفرغ للكتابة في عكاظ بعد ثلاث سنوات من الجمع بينها وبين الوطن الكويتية.

عاصر السليمان -كاتباً- ستة رؤساء تحرير، يقول عنهم «كانوا أعلاماً في عالم الصحافة، وأضاف لي التعامل معهم الكثير، ابتداءً بالدكتور هاشم عبده هاشم، فالدكتور عبدالعزيز النهاري، وكان من قام بنقل زاويتي للصفحة الأخيرة، مروراً بالزملاء محمد التونسي وأيمن حبيب ومحمد الفال، وانتهاء بالزميل جميل الذيابي، وجميعهم أكن لهم كل الاحترام والتقدير وجمعني بهم حسن التعامل، وتحملوا الكثير مما سببته بعض مقالاتي من حرج وإزعاج.

تجاوزت مقالات السليمان -كما يقول- ١٠ آلاف مقال منذ بدأ الكتابة، ولكثير منها قصص وردود أفعال، قال قد أدونها يوماً في كتاب، لكن بلا شك كان مقال بعنوان «احذروا المداحين»، انتقدت فيه بقسوة مديح موضوع مصور نشر في «عكاظ» حول مشاركة أمير الحج الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز -رحمه الله- في رمي الجمرات وسماحه للحجاج بالسلام عليه وأثار ردود فعل صاخبة، علامة فارقة في تعريف القارئ السعودي بي، وصفه الزميل هاشم الجحدلي حينها بإعادة ولادة لقلمي في الصحافة السعودية، واللافت أن الأمير استحسن المقال وأيده بمقال رائع، فتكونت معه علاقة صداقة رائعة مازلت أفتقدها.

حول المواقف التي لا ينساها، قال عندما صدر قرار قصر القبول في كلية الملك فهد الأمنية على الجامعيين كتبت مقالاً قاسياً ضد القرار وسألت فيه المصفقين للقرار عن مصير ١٥ ألفاً من الطلاب الذين كانت تستوعبهم الكلية بدلا من انضمامهم لطوابير المتقدمين للجامعات التي كان القبول فيها صعبا في ذلك الوقت، أرسلت المقال للصحيفة يوم الخميس لينشر السبت ثم سافرت لممارسة هواية الغوص في ينبع، وأثناء الغوص ظهيرة الجمعة تذكرت تحت الماء أن الكلية لا تستقبل ١٥ ألفاً وإنما يتقدم لها هذا العدد، لكن المقبولين بحدود ٦٠٠ أو ٧٠٠ طالب فقط، وهنا شعرت بأنني وقعت في مطب، فالمقال كان قاسياً وحاداً وسيجد أي رقيب رسمي في خطأ المعلومة فرصة لمعاقبتي، وصعدت للمركب واتصلت بالصحيفة لهدف وقف نشر المقال لكن فشلت في التواصل بسبب العطلة، ونشر المقال السبت وتوقعت أن أتلقى اتصال الرقيب الرسمي صباح الأحد، لكن الاتصال الذي تلقيته كان اتصالاً مباشراً لطيفا جداً من سمو مساعد وزير الداخلية -وقتها- سمو ولي العهد الأمير محمد بن نايف الذي بادرته بأنني أعد مقال اعتذار عن الخطأ، فرفض أن أعتذر وقال إن هدفه مجرد توضيح المعلومة الصحيحة لأنقلها لقرائي، وعندما أخبرته بقصتي تحت الماء ضحك كثيراً واكتشفت أن هواية الغوص تجمعنا، وسألني عن أماكن الغوص الجيدة التي أعرفها، واتفقنا على أن نمارس الغوص ذات يوم معاً.الكتابة بالنسبة للسليمان -كما يقول- متنفس ووسيلة لاستشعار مواطنته ومسؤولية تجاه مجتمعه، وقال «كل إنسان يحمل هم نفسه وأفراد أسرته، لكن الكاتب يحمل هم نفسه وأفراد أسرته ومجتمعه، كذلك قرائه الذين يراسلونه ويعرضون عليه همومهم ومشكلاتهم، وعندما أتوقف يوما عن الكتابة فإن السبب الوحيد هو أنني توقفت عن التنفس في هذه الحياة».