لم تكن الميزانية التي أعلنت مساء الخميس هي ذات الحدث السنوي الذي يتكرر كل عام في مثل هذا الوقت، الميزانية الحالية جديدة وتؤسس لوعي جديد وثقافة جديدة في التنمية والبناء وتوزيع الثروات وعلاقتنا مع المال.

خرج الواقع المالي لدينا عن مساره المعهود خلال السنوات الماضية؛ إنتاج نفطي وافر وأسعار نفطية مرتفعة، أدى ذلك إلى مزيد من الإنفاق وأدى بشكل مواز إلى تأجيل التحرك الفعلي لتنويع مصادر الدخل وتنويع الاقتصاد، وفي الغالب ما تكون الوفرة المالية سببا في عدم الالتفاف لهذا التحدي، رغم أنه ظل عنوانا رئيسيا يتصدر كل إعلانات الموازنات العامة طيلة الأعوام الماضية.

في الواقع فإن ارتفاع وتيرة الصرف الذي شهدته الأعوام الماضية قد انصرف في مجمله إلى تشييد وتقوية بنية تحتية مهمة للغاية، هي التي تمثل اليوم عناصر القوة الاقتصادية والتنموية في بناء الواقع الاقتصادي الجديد وتسهم في تعزيز وتقوية خطط وبرامج التحول الوطني.

لقد أمدتنا السنوات الماضية بالكثير من المال، وعلينا أن نمد السنوات القادمة بالكثير من التخطيط والترشيد، والتوسع في بناء واقع اقتصادي قادر على مواجهة التحديات.

انخفضت أسعار النفط إلى ما يزيد على النصف؛ ولأنه بضاعتنا ومنتجنا الأكبر تراجعت مداخيلنا وبتنا معلقين بهذا التراجع وتقلبات الأسواق.

بالمقابل فقد كانت الظروف السياسية والإقليمية التي تمر بالمملكة تستلزم تحركا سعوديا جديدا يحتاج هو أيضا إلى المزيد من الإنفاق، مما ضاعف حجم التأثير على الواقع الاقتصادي.

قبل أسابيع وفي كلمته في إطلاق الدورة الجديدة لأعمال مجلس الشورى وصف الملك سلمان بعض الإجراءات الاقتصادية التي تم اتخاذها لمواجهة التحديات الاقتصادية بأنها مؤلمة مرحليا، كان وصفا يتوافق بالكامل مع توصيف الناس وأحاديثهم عن تلك الإجراءات المؤلمة بالفعل، إلا أنه ذلك الألم رأينا نتائجه ونحن نتابع أنباء إعلان الميزانية.

لقد أدت تلك الإجراءات إلى تشكيل أرضية مالية صلبة واتجهت الدولة في توفير المزيد من السيولة اتجاها متنوعا لم يقتصر على وسيلة واحدة بل شمل أبرز وأهم الخيارات التمويلية: طرح السندات والاقتراض والسحب من الاحتياطي.

شهدت الميزانية انخفاضا ملحوظا في العجز بنسبة ٣٣٪‏ وتحدث وزراء القطاعات المعنية بلغة جديدة ومنطق علمي يشير إلى أن ثقافة جديدة باتت تدير المال وتدرك أن المرحلة القادمة بحاجة إلى أداء جديد.

برنامج حساب المواطن كان أبرز المنتجات المالية التي أعلنتها الميزانية ليمثل ما يمكن وصفه بأول نظام لإعادة توزيع الثروات وتخفيف الأعباء الناجمة عن رفع الدعم عن كثير من المنتجات لمواجهة تحد كبير يتمثل في الهدر الذي يمثله الدعم حين تستفيد منه الطبقات والشرائح غير المستحقة له، هذا البرنامج سيمر بتحديات واسعة للغاية وسيحتاج الكثير من الجهد والعمل، لكنه سيمثل رافعة جديدة في الاقتصاد السعودي وبما يدشن حقبة جديدة في هذا الاقتصاد واستعداده للمراحل المقبلة.

الآن لم يعد تنويع مصادر الدخل مجرد أمنية، لقد أصبح واقعا، إذ دخل إلى ميزانية هذا العام مبلغ مئتي مليار ريال، هذا الواقع سيشهد نموا في السنوات المقبلة تتجاوز آثاره إيجاد وفر مالي ليؤسس لثقافة جديدة في العمل والإنتاج.