رغم أن أوضاع المنطقة العربية قد وصلت إلى درجة بالغة من السوء لم تكن في الحسبان، أو في الخاطر والخيال، فأصبحت ويلات الحروب حدثا يوميا على الشاشات، وصيحات الأطفال، وأشلاء الضحايا مشهدا متكررا على وسائل الإعلام، إلا أن هناك هوساً مكتوماً، وشهوة مدفونة تنز برأسها، تنتعش مع الشائعات التي تروج وتموج كل يوم، تتحدث عن اقتراب حرب عالمية ثالثة، ونهاية محدقة تحيق بالكوكب، وحرب كونية ستحل بالبشرية. يتناسى عشاق الإثارة والنهايات كل مآسي الحروب، فيتداولون هذه الأخبار وكأنها عرض من التسلية، أو سبق صحفي، أو قصة مغامرة ممتعة، أو فيلم سينمائي يترقبون مشاهدته.

هذا الهوس بالحروب الكبرى، ومشاهد الدمار، يكشف بين طياته عن نفسية خبيئة في داخل الإنسان تتطلع إلى رؤية الأمور وهي تخرج عن السيطرة، ورغبة مضمرة في رؤية الفوضى وانهيار النظام الكوني، يعلق ساخرا على هذا الأمر الكوميديان والناقد الاجتماعي الأمريكي جورج كارلين قائلا في إحدى أمسياته: «حين تحدث كارثة تواجه البشرية سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان فأنا أتمنى دائماً أن تزداد سوءا». يضحك ساخراً، ويوجه حديثه للجمهور متسائلاً: «أليس هناك جزء في داخلكم يتمنى بشكل خفي أن تزداد الأمور سوءاً! عندما تشاهدون حريقا كبيرا على التلفاز ألا تتمنون بأن ينتشر! ألا تتمنون أن تصبح النار خارج نطاق السيطرة، وتمتد لتحرق ست مقاطعات أخرى».

اليوم مع تعاظم الأحداث في سورية والعراق، وتدخلات القوى العظمى والصاعدة في المنطقة، أصبح التحليل الأسهل والأقرب لكشف طبيعة أي منعطف مثير في الأحداث أن يفسر بأنه عبارة عن نذر تؤشر لاقتراب حرب عالمية ثالثة، فحين بدأت روسيا بالقصف الجوي على مواقع المعارضة في سورية، قيل حينها إن ذلك بداية لحرب عالمية، وحين أُسقطت طائرة روسية في تركيا، تكرر نفس التحليل، والأمر ذاته شاع وانتشر حين فاز دونالد ترمب بالانتخابات الأمريكية، فقيل ذلك مؤشر على قرب نهاية العالم، وعلق أحدهم بأن «فوز هتلر في الانتخابات كان إرهاصا لبدء حرب عالمية ثانية، فهل يعد فوز ترامب مؤشرا على قرب حرب عالمية ثالثة!». الأسطوانة ذاتها عادت بعد مقتل السفير الروسي في تركيا أخيراً، وانتعشت من جديد هذه التحليلات المعلبة، فكتب إعلامي شهير متسائلا: «مقتل ولي عهد النمسا في سراييفو أشعل الحرب العالمية الأولى، فهل الرصاصات التي قتلت السفير الروسي في أنقره يمكن أن تشعل الحرب العالمية الثالثة؟». هذه التساؤلات تقدم نفسها ببراءة، لكن من بين حروفها تلمس رغبة خفية، وشهوة مكتومة تتطلع إلى أن تحدث هذه الحرب العالمية، وكأن الأمر مجرد نزهة عابرة لتغيير الأجواء وكسر الروتين!

برأيي أن هناك عوامل متضافرة متعددة ساعدت في رواج أفكار كهذه، وجعلتها دائمة الحضور والشيوع، العامل الأول: أنها أخبار تنتمي لفئة الإثارة والترهيب والغموض، ومثل هذا النوع من الأخبار يجذب المتابعين والقراء، الأمر الذي يدفع بالمحللين والكتاب في الصحف والفضائيات لتكرار مثل هذه التحليلات لجلب أكبر قدر من المشاهدين مع كل تطور لافت في الأحداث.

العامل الثاني: أن حجم التدخلات الدولية في المنطقة، وتعاركها المحتدم حول هذه البقعة الصغيرة، وتشابك الأعداء والحلفاء بصورة مربكة جدا، يضفي على تحليلات الانهيار الكلي قدرا من المعقولية والقبول، نظراً للغموض الكبير، والعجر المستمر في فهم كثير من الظواهر والتنظيمات والصراعات التي تتمدد وتتراجع بشكل محير جدا، وعصي على التفسير.

العامل الثالث: هو الدعاية الروسية التي وظفت مكينتها الإعلامية الصاعدة بقوة في إشاعة أنباء مبالغ فيها حول اقتراب قيام الحرب العالمية الثالثة، و«جاهزية روسيا بكل قوتها وعتادها لسحق عدوها اللدود أمريكا». وهذا أمر تنبهت له وكالة الأنباء الفرنسية فنشرت تقريراً جاء في مطلعه: «نعم إن الحرب العالمية الثالثة قامت بالفعل، لكن فقط على التلفزيون الروسي»، ويرصد الكاتب السوري وليد بركسية، هذه البروباغندا الروسية في مقال له بعنوان (نهاية العالم في المنظور السوفيتي)، مؤكدا «أن الإعلام الروسي كان أبرز المروّجين لفكرة الحرب العالمية الثالثة ونهاية العالم على حد سواء. فقنوات مثل (روسيا اليوم) الممولة من الكرملين ووكالات أنباء مثل (سبوتنيك)، تحولت إلى مروج لأفكار فلسفية وأخبار عن الحرب بكثافة غير منطقية أحياناً، إضافة لتخصيصها حيزاً كبيراً طوال العام للدعاية للأسلحة الروسية المتطورة وبث المواد غير الآنية بالمفهوم الإعلامي طالما أنها تخدم الهدف الأسمى المتعلق بهيبة الدولة الروسية في حروبها الحالية في سورية وأوكرانيا». العامل الرابع المهم: هو أن التطورات الأخيرة في العراق وبلاد الشام كانت من أكثر من الأحداث التي صبغت بصبغة دينية مرتبطة بنبوءات نهاية الزمان بين التنظيمات الأصولية المتصارعة، بل أصبحت هذه الجماعات تتحرك وتخطط لمواقعها وفقا لهذه النبوءات الدينية، فحين نرجع إلى تحركات تنظيم داعش نجد كثيرا من الدلائل والرموز في مواقعه ولباسه وإصداراته متصلة بالتفاصيل التي وردت في أحاديث نهاية الزمان، وكأن التنظيم يهيئ نفسه لهذه اللحظة التي تقوم فيها الحرب الكونية الكبرى بين الخير والشر، وتكون مقدمة لقيام الساعة، لأجل ذلك يهتم تنظيم داعش ببلدة دابق والأعماق لما تحملانه من معطيات تاريخية تؤكد أن المعركة الفاصلة آخر الزمان ستكون في هذه المنطقة، مستندين في ذلك إلى حديث ورد في صحيح مسلم: «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق - أو بدابِقَ - فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بينا وبين الذين سُبُوا مِنَّا نقاتلْهم، فيقول المسلمون: لا والله، كيف نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثُلُث ولا يتوب الله عليهم أبدا، ويُقتَل ثلثُهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يُفتَنون أبدا، فيفتَتحِون قسطنطينية.. فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان إن المسيح الدجال قد خلفكم في أهليكم فيخرجون فإذا جاؤوا الشام خرج فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم فأمّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته».

كما أن تمسك داعش بلباسه وراياته السوداء، ليس مجرد اختيار اعتباطي، بل مأخوذ من نصوص دينية تذكر أن أنصار المهدي حين يحين وقته ينصره قوم «راياتهم سوداء»، كما يروي ابن كثير: «ويؤيد المهدي بناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سوداء، وهو زي عليه الوقار، لأن راية الرسول صلى الله عليه وسلم كانت سوداء يقال لها: العقاب».

أما في الجانب الشيعي الذي ينشط من خلال مليشيات مثل «حزب الله» و«لواء أبو الفضل العباس» وغيرهم براياتهم الصفراء المذكورة أيضا في نصوص فتن آخر الزمان، كما ورد عن نعيم بن حماد قوله حدثنا بقية وغيره، عن صفوان بن عمرو، عن أبي هزان، عن كعب قال: «إذا التقت الرايات السود والرايات الصفر في سُرَّة الشام، فبطنُ الأرض خيرٌ مِن ظهرها»، كما تشير مرويات أخرى لدى المذهب الشيعي أن اضطرابات بلاد الشام هي من العلامات الممهدة لخروج المهدي المنتظر، الذي يخرج لمواجهة شخص يدعى (السفياني) يقال إنه ينحدر من نسل بني أمية، الذين يضعهم الشيعة في موضع الخصومة التاريخية. وفي نص للإمام الباقر الذين يرويه عن الصحابي علي بن أبي طالب رضي الله عنه جاء فيه: «إذا اختلف الرمحان بالشام لم تنجلِ إلا عن آية من آيات الله، قيل: وما هي؟ قال: رجفة تكون بالشام يهلك فيها أكثر من مائة ألف، يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذاباً على الكافرين، فإذا كان ذلك فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر تقبل من المغرب حتى تحل بالشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر. فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا، فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، حتى يستوي على منبر دمشق، فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي»!

نتيجة لهذه النصوص والمرويات التي وظفت واستحضرت بشكل كبير في الأحداث الأخيرة، نفهم لماذا نجد من بين تحليلات وكتابات بعض «المحافظين» رغبة خفية في قيام حرب عالمية ثالثة؛ لأن حدوث هذا الأمر سيعني من وجهة نظرهم اقتراب اللحظة الفاصلة التي ينتصر فيها أبناء طائفته ومذهبه، ويطوي الزمان صفحته لصالح مجده وهلاك خصومه.