أسس النبي محمد صلى الله عليه وسلم مدرسة التنوير بسلوكه وأخلاقه. مع كامل احترامنا للمرويات القولية كونه دخلها الضعف والوضع. ودفع الرسول ضريبة باهظة عرضت حياته للخطر على أيدي المشركين في مكة. واليهود والمنافقين في المدينة. وعندما استشعر النبي الخطر تساءل عن سبب العداء. فجاءه الجواب من ورقة بن نوفل (لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جئتَ به إلا ناصبوه العداء).

يرى أي مجتمع أن عاداته وتقاليده مقدّسة. علماً بأن منها الإيجابي العالي في مستوى إنسانيته. ومنها السلبي وغير الإنساني. إلا أن المجتمع التقليدي لا يسمح لكائن من كان أن يهز قناعاته الراسخة رسوخ جبال السروات. أو يهزأ بعاداته الموروثة. أو يسفّه شأن تقاليده. مهما كان فيها من الظلامية والظلم ولذا كان كفار مكة يرددون (محمد يسفه أحلامكم. ويسخر من آلهتكم).

وإذا كان مقام النبوة عرضة للخطر بسبب حمله عبء تنوير البشر. وإخراجهم من الظلمات إلى النور. فإن من بعده وهم دونه مقاماً ومقالاً أشد عرضة للنكال. وربما تضافرت سلطات عدة على النيل من رموز التنوير عبر العصور. بالقتل والصلب والسجن وإحراق الكتب. ولم يكن هذا شأن العرب والمسلمين فقط. بل حتى في مجتمعات الغرب قبل عصر النهضة آذوا رموزهم.

وإذا كان الأفراد من المفكرين والفلاسفة أبرز نماذج الفداء والتضحية في سبيل مشروعهم التنويري فإن الدول والشعوب يطاولها ما طاول الرموز. وربما لم تكن بلادنا مستهدفة بقسوة مثل قسوة هذه الأيام إلا عندما تبنت الدولة الخطاب الديني المعتدل. كون الظلاميين يجنحون للتشدد والتطرف للتحجير على حركة المجتمع الطبيعية. باعتساف نصوص الدين الذي جاء رحمة للعالمين.

ولستُ في مقام النقمة على متمسك بدينه ومفرط على نفسه بتوسيع دائرة الممنوع. وتحجيم المباح. فذاك شأنه. وكثير من مجتمعنا أهل خير ويريدون بالتعبد الخير. وإنما نخشى من يريد أن يكون وصياً علينا بالغصب والإكراه ويلزمنا بأفكار وافدة وقوالب جاهزة. ويحيل فهمه للنص الديني سوطاً لجلد الأبرياء ولن أقول السذج.

ويظل الأخطر بيننا من وجهة نظري مزدوج الشخصية. ذا الوجهين. الذي حذر منه النبي عليه السلام. فقال (إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه). علمي وسلامتكم.