كانت (مليحة) زوجة العريفة على قدر كبير من الفطنة وحسن التدبير. انتظرته حتى عاد من صلاة الصبح، فلقيته بشرشفها الأبيض، وشلخة الكادي جنب صفحها، ورائحة البعيثران تنفذ بكل الذكريات إلى أم الدماغ. فرشت له الجاعد فوق عتبة عابر البيت المواجه لشرقة الشمس. لم تتباطأ عن تقديم قرصة المجرفة المفتوت في سمن بقري يفنّك. قالت: كل بالعافية أنا فدى محل ما يندر.

غابت عنه دقائق، وعادت إليه وبيدها بكرج حليب. جلست قبالته. قرأ على ملامحها كلاماً لم تفه به. قال: «اسلمي يا مليحة كن معك علم ودك تقولينه»؟ قالت: «عندي علم ودي يتسع له صدرك، أنحن نسوان القرية نشقى ونتعب ونقوم بثلاثة أرباع الشغل في البيت والوادي، وأنتم يا الرجاجيل تدرجون الأفكار وعلى سعة، ولا صوت لنا في مجلس القرية، ومن حقنا مثل ما عندك أربعة موامين، يكن لك أربع مأمونات. كان متكئاً فجلس مردداً أبو ولدي، وش ذا العلم ومن شار به عليك؟ قالت: جاك العلم، النسوان بيدخلن مجلس القرية، وأنا أوصل لكم صوتهن، يجتمعن عندي كل أسبوع، وأقدم لك ما يجمعن عليه.

حكّ العريفة قفاته. شاف حليمة صاملة، وما ودّه يكدّرها مع الصبح، خصوصاً أنها دسّمت شواربه. قال «تدرين: خليني أشاور، وأشوف. أجابت: شاور وخذ من أشوارك خيارها. بعد صلاة العصر. قال لمن معه في المسجد: يا جماعة الخير، معي علم ودي أبديكم فيه، ما أن فاه بمطلع الموضوع، حتى نقز الإمام صائحاً «اتق الله، ما عاد عليك إلا هي، تاهب النسوان الناقصات عقلا ودينا معنا ونسير أنحن وإياهن سوا». ردّ عليه: تواط يا فقيه، واتفل الشيطان، ما هو بعيب نخصص لنسواننا مجلسا لمناقشة ما يخصهن. عاد الفقيه للصياح «اختلاط» قال العريفة «خلطوا معيانك مع كرشتك، وين الاختلاط الحريم يجتمعن عند حليمة. وحليمة تنقل لنا ما يتوصلن إليه.

اثنان من الموامين طلبوا مهلة يومين للمشاورة، خرجوا من المسجد، وحليمة قد جمعت النساء بالدفوف تحت الحماطة وعبت لهن قصيدة «العبن يا زينات تحت الحماطة». علمي وسلامتكم.