ربما كانت الأنباء الواردة من حلب تباعا باتجاه القصر الجمهوري في دمشق هي الأخبار الإيجابية الأولى منذ خمس سنوات من الهزائم المتلاحقة لنظام بشار الأسد، ومن الفشل في إعلان أي انتصار ولو كان محدودا، إضافة إلى استمرار الحرب والنزيف الذي أنهك ما تبقى من ميليشيات الأسد وميليشيات حزب الله والميليشيات الإيرانية والأفغانية. ذلك الاستنزاف جعل من حلفاء النظام قوة مسيطرة على إجراءات المعركة وعلى قراراتها كذلك، وفي الغالب فإن الروس أيضا هم بحاجة لتسجيل أي انتصار بعد سنوات من تدخلهم الذي لم يحدث أي تغيير عسكري على الأرض وإحداث تعقيدات أكبر في الجانب السياسي والإقليمي للقضية السورية، ولذا كان الحل الأبرز هو بالذهاب إلى حلب، هذه المرة عن طريق القوة المفرطة التي تعتبر كل ما في حلب هدفا مشروعا وتجعل من التهجير (الإجلاء) الأخير الوحيد أمام الراغبين في البقاء على قيد الحياة.

على مدى الأشهر الماضية حذرت الكثير من قيادات فصائل المعارضة من أن حلب ستواجه حملة كبرى من قبل الروس والنظام والميليشيات الإيرانية وذكر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى من أن خطة النظام ستتجه إلى إقامة حزام مزدوج حول المدينة لعزل الأحياء الشرقية التي يسيطر عليها الثوار العرب والأكراد، والتي ترتبط بمعقل المعارضة في محافظة إدلب، وبخط الإمداد الغربي من تركيا عبر طريق «الكاستيلو»، وفي أبريل من هذا العام تقدمت نحو منطقة تبعد كيلومتر واحد من المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد في حي «الشيخ مقصود»، واستولت على بلدة الملاح.

كانت الظروف التي تمر بها فصائل المقاومة قد أسهمت في تشجيع النظام على القيام بهذه المجازر، فالفصائل التي يزداد عددها في حلب عن ثلاثة عشر فصيلا إضافة إلى جبهة فتح الشام المدرجة دوليا على قوائم الإرهاب، كما أن فصائل الجيش بما تشهده من خلاف بين أعضائها وصل ذروته حين أعلن تجمع (فاستقم كما أمرت) انفصاله عن الجيش الحر والتحاقه بحركة أحرار الشام وجاء ذلك البيان بعد أن دخلت الحركة في مواجهات دامية استمرت لأيام مع جبهة النصرة وحلفائها ككتائب نور الدين زنكي وحركة أبو عمارة. وقبل ذلك بأشهر خسر الجيش الحر الفرقة السادسة عشرة وهي الفرقة التي كانت قد خسرت كل جبهاتها شمال حلب ولصالح فصائل أخرى من أبرزها قوات سورية الديموقراطية بعد معارك دامية.

في ذلك الوقت كانت مواجهة داعش عامل استنزاف أكبر لكثير من الفصائل على رأسها الجيش الحر، وتطلع تنظيم داعش مبكرا نحو المناطق الشرقية من ريف حلب وتحديدا بلدة خناصر التي تقع على طريق يمتد لأكثر من ٢٠٠ كيلو متر ويتصل بالحدود الإدارية لمنطقة الرقة المعقل الرئيس للتنظيم، إضافة إلى استهداف شمال حلب حيث الفصائل المنهكة جراء القتال المستمر بينها وقد استطاع تنظيم داعش أن يفصل بين بلدة إعزاز في شمال حلب وبين منطقة دوديان إلى الشرق منها.

هذا الواقع جعل من رهان القوى الكبرى على ما يمكن تسميته بقوى معتدلة على الأرض رهانا أقرب إلى الخسارة.

لقد أدت حالة التشرذم في أوساط فصائل المقاومة السورية وكثرتها والمعارك المستمرة فيما بينها واستنزاف بعضها من خلال تنظيم داعش أدى كل ذلك لأن تنتهي خيارات العالم في دعم أي منها أو الرهان عليها، ولدى الروس أيضا سباق مع الزمن قبل لن يحل التغيير الرئاسي في واشنطن، ورغبة ملحة لتحقيق أي انتصار، وأيضا لديهم علاقات تحسنت مع تركيا تضمن لهم أن لا طائرة روسية سيتم إسقاطها بعد تلك التي سقطت في نوفمبر العام الماضي.