تعالت اليوم أصوات الأطباء المطالبين بدمج المصابين بمرض الإيدز مع شرائح المجتمع ليعيشوا معهم بالبيت والمدرسة والعمل دون أي خوف يذكر، وذلك بسبب ما وصفوه بالتطور الهائل للطب الحديث الذي حد كثيراً بحسب قولهم من انتقال العدوى إلى نسبة واحد من الألف، إلى جانب تذكيرهم الدائم بأن المصاب ما هو إلا ضحية لعملية نقل دم ملوث، وليس من الإنسانية نبذه بهذه الطريقة المتخلفة ليواجه الموت البطيء!

لقد تذكرت مع هذه المطالبة، حالة الهلع والخوف التي بدت على وجوه أولئك الشباب الذين لجأوا إليّ طلباً للمشورة، كانت مشكلتهم المصيرية تتلخص في قيام جهة عملهم بتعيين موظف جديد نما إلى علمهم أنه مصاب بفيروس الكبد الوبائي، لقد أكدوا أنهم يتعاطفون كثيراً مع حالته ويدعون له ليل نهار بالشفاء العاجل، لكنهم في المقابل لم يعودوا قادرين على استخدام ذات الأدوات المكتبية أو الملاعق أو أكواب الشاي بسبب الهواجس المخيفة التي تلاحقهم.

الحقيقة أن هذه المسألة حساسة جداً، ويجب أن نحكم فيها عقولنا لا قلوبنا، فالرجل أو المرأة أو الطفل الذي أصابه الفايروس يجب التعامل معه كمريض، وكما أن من حقه الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، فإن من حقنا عليه أن يلتزم تماماً بالإجراءات الوقائية والابتعاد كلياً عن مسببات نقل العدوى، والعاقل لا يمكنه أن يتفق بأي حال مع أولئك الأطباء المتحمسين الذين يناشدوننا عبر التلفزيون بالتعامل مع هؤلاء المرضى كأشخاص عاديين!

ربما نسي الأطباء المندفعون قسم المهنة الذي أدوه انتصاراً لبحوثهم وتجاربهم حول فعالية الأدوية التي يتناولها مرضاهم، حتى باتوا يميعون خطر المرض القاتل ويصفونه بالمزمن مثله مثل أمراض الضغط والسكر والتي يكفي لكبحها تناول حبة منظم، ليس هذا فقط، بل وصل الحماس بهم إلى نفي وجود أي احتمالية لنقل العدوى من خلال الاتصال الجنسي وأن ذلك كان في الماضي، مطالبين هيئة كبار العلماء بنقض فتوى منع عقد أنكحة المصابين بفايروس نقص المناعة!

على رسلكم أيها الأطباء الشرفاء، فمرض الإيدز لا يزال يتصدر قائمة الأمراض المعدية بالموقع الإلكتروني لوزارة الصحة، كما أن حالات الإصابات الجديدة تسجل في كل عام زيادة مطّردة. وإذا كانت الشريعة تضع أمراض الجذام والبرص والقروح السيالة من بين العيوب الموجبة لإيقاع الطلاق كونها تثير النفرة، فما عسانا أن نقول عن الإيدز، وما فائدة إجراء الفحص الطبي للمقبلين على الزواج متى شرع الارتباط بحاملي أكثر الأمراض فتكاً؟

ربما تطور العلم كثيراً، ولكن الصورة الذهنية عن المرض الخبيث لا تزال مرعبة، لدرجة أنها قد تكتب النهاية لمسيرة فنان تجرأ وأدى دور المصاب به، وقد توصل الإنسان لمرحلة الجنون لمجرد خطأ بالفحوصات أظهر إيجابية العينة، فهل يعقل بعد هذا كله أن ينقاد عاقل خلف المطالب الداعية إلى مصاحبة الإيدز وأخذه بالأحضان؟